حسن بن عبد الله السيرافي

122

شرح كتاب سيبويه

قولهم : " ذهب فلان بين بين " . والمعنى : بين هذا وبين هذا ، فلما أسقطت الواو بنيا . قال الشاعر : . . . * وبعض الناس يذهب بين بينا " 1 " ومن ذلك : " لقيتك صباح مساء " و " يوم يوم " على هذا المعنى الذي ذكرناه من تضمن الواو ، فكأنك قلت : " صباحا ومساء " أو " يوما ويوما " ولست تقصد صباحا واحدا ولا يوما واحدا . ويجوز أن تقول : " أتيتك صباح مساء " فتضيف الصباح إلى المساء وتجعل " صباح " منسوبا . وإنما جاز إضافته إلى " مساء " من قبل أنك أردت إتيانه في صباح مقترن بمساء ، فلما اصطحبا في الإتيان ، جاز إضافة أحدهما إلى الآخر ، كما يضاف الشيء إلى ما يصحبه . فإذا أدخلت عليهما شيئا من حروف الجر لم يكن إلا مضافا مخفوضا ، تقول : " أتيتك في كل صباح مساء " ؛ لأنهم إذا أدخلوا عليه شيئا من حروف الجر خرج عن باب الظروف وصار اسما وتمكن أكثر من تمكنه الأول ، فلم يقدر فيه الواو . فإن قال قائل : فهلا أعربتم " خمسة عشر " ونحوها ، وكل اسمين جعلا اسما واحدا إذا أدخلتم شيئا من حروف الجر عليه ؟ فالجواب في ذلك أن " خمسة عشر " نحوها على كل حال لا يخلو من تقدير الواو فيه ، فلم يجز غير البناء ، و " صباح مساء " قد كان مرة يجوز بناؤه قبل دخول الجار على تقدير الواو ، وإضافته على ما بينا ، فإذا دخل الجار وصار اسما ، وخرج عن حد الظرف ، وتمكن لم يكن فيه إلا الإضافة التي توجب الإعراب له ، إذ كانت الإضافة جائزة قبل دخول الجار . ومن ذلك قولهم : " لقيته كفة كفة " وفيها معنى الواو ، وأصله كفة وكفة . وإنما المعنى : كفة مني وكفة منك ، وإن شئت : كفة على كفة ، أو : كفة عن كفة . وذلك أن المتلاقيين إذا تلاقيا ، فقد كف كل واحد منهما صاحبه عن مجاوزته إلى غيره في دفعه التقائهما ، فكفة وكفة : مصدران وضعا موضع الحال ، كأنك قلت : لقيته متكافّين ، مثل

--> ( 1 ) البيت لعبيد الأبرص في ديوانه 136 ، ومعاني القرآن 1 / 177 .