عثمان بن أبي بكر الدوني ( ابن الحاجب )
29
الإيضاح في شرح المفصل
يثبت كون الجملة الأولى نفيا والثانية مثبتة ، وإن خالف التّمثيل في المعنى ، وهو قوله : ( ما تأتينا فأنت تجهل أمرنا ، ) إذ لا يشكّ من قيل له ذلك أنّ قوله : « فأنت تجهل أمرنا » مثبت بخلاف ما تقدّم ، فإنّه محتمل ، فمثّل الاحتمالين بما لا يحتمل سواه ليوضّحه ، ثمّ مثّل بقول العنبري « 1 » : غير أنّا لم تأتنا بيقين * فنرجّي ونكثر التّأميلا في الرّفع أيضا ، وهو أيضا لا يحتمل إلّا الرّفع ، لأنّ المعنى على أنّ الآتي لم يأت بيقين ، فنحن نرجو خلاف ما أتى به لانتفاء اليقين عمّا أتى به ، ولا يستقيم على ذلك إلّا الرّفع ، لأنّه لو جزم لدخل مع الإتيان في النفي ، فيفسد « 2 » المعنى ، إذ المعنى إثبات الرّجاء « 3 » ، ولو نصب لنصب على الجمعيّة ، ويجب أن يكون أيضا منفيّا معه . فإن قلت : لم لا يستقيم النصب على المعنى الثاني للفاء ، وهو أنّ هذا لا يكون عقيب هذا ، لأنّ معناهما أنّهما لا يجتمعان ؟ قلت : يفسد المعنى أيضا ، لأنّ ذلك المعنى على أنّ الأوّل لا يكون عقيبه الثاني ، حتّى كأنّه وصف له ، وأنت لو قدّرت نفي الثاني على تقدير حصول الأوّل فسد المعنى فيهما جميعا ، إذ المعنى نفي الأوّل وإثبات الثاني ، وهذا عكسه . ثمّ مثّل بقوله « 4 » : ألم تسأل الرّبع القواء فينطق في الرّفع ، وظاهره أيضا الرّفع ، لأنّه أراد أنّ النّطق حاصل لها على سبيل التّجوّز لما هي عليه من أحوالها ، ولم يقصد أن يدخل النّفي إلّا على السّؤال ، وعلى ذلك يكون الرّفع ، وإن كان النّصب والجزم غير ممتنعين . ولذلك قال سيبويه : « لم يجعل الأوّل سببا للآخر ، ولكنّه جعله
--> ( 1 ) كذا نسبه الزمخشري في المفصل : 249 ، ونسب في الكتاب : 3 / 31 ، وشرح المفصل لابن يعيش : 7 / 37 إلى بعض الحارثيين ، وورد بلا نسبة في مغني اللبيب : 533 والخزانة : 3 / 606 - 607 . ( 2 ) في د : « ولفسد » . ( 3 ) في الأصل . ط : « إثباته » . وما أثبت عن د . وهو أوضح . ( 4 ) عجز البيت : « وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق » وقائله جميل بن عبد اللّه بن معمر ، وهو في ديوانه : 144 ، وشرح المفصل لابن يعيش : 7 / 37 ، والمقاصد للعيني 4 / 403 ، والخزانة 3 / 601 ، وورد بلا نسبة في الكتاب : 3 / 37 القواء : التي لا تنبت ، والسّملق : الخالية . الخزانة : 3 / 601