عثمان بن أبي بكر الدوني ( ابن الحاجب )
21
الإيضاح في شرح المفصل
وما بعد « حتّى » في وجهي الرفع « 1 » مخبر به حصولا واجب أن يكون مسبّبا عمّا قبلها ، ولم يذكر السّببيّة فيها ، وهو لازم ، وذكره في الناصبة ، وهو غير لازم ، وإنّما التزموا السّببيّة ههنا لّما كان الكلام جملتين ، فكأنّهم قصدوا إلى قوّة الرّبط بينهما بمعنى السّببيّة ههنا « 2 » ، وفي الأوّل لم يلتزموها للرّبط الحاصل بالجزئيّة ، وذلك أنّ « حتى » في الوجه الأوّل جارّ ومجرور ، فهو جزء ممّا قبله ، وفي الوجه الثاني جملة مستقلّة ، وليس جزءا ممّا قبلها ، فلا يلزم من التزام السّببيّة في الجملتين ليقوى الرّبط التزام السببيّة فيما الرّبط مقوّى فيه بالجزئيّة ، وإنّما نصبوا في موضع النّصب المذكور لأنّه أمكن فيه تقدير الناصب ، ألا ترى أنّ الفعل مستقبل وأنّ تقدير « أن » فيه متحقّق لأنّها للاستقبال ، فصحّ تقديرها بخلاف موضع الرّفع ، فإنّه للحال ، وتقدير « أن » مع الحال متناقض ، لأنّها للاستقبال ، فلا تجامع الحال ، فلذلك جاء النّصب في مواضع الاستقبال ، وفات في مواضع الحال . ومثّل صاحب الكتاب في النصب بما يتحقّق فيه الاستقبال ، كدخول الجنّة « 3 » ، وفي الرّفع بما يتحقّق فيه الحال ، كانتفاء الرّجاء عند المرض « 4 » ، فإنّه لو قدّر مستقبلا فسد المعنى من جهة أنّ « 5 » انتفاء الرّجاء المقصود بذكره خطر المرض / ولا يحصل ذلك حتى يكون انتقاء الرّجاء حاصلا ، وإذا كان حاصلا وجب الرّفع ، وكذلك « شربت الإبل حتّى يجيء البعير يجرّ بطنه » ولو قدّر منصوبا لم يستقم ، لأنّ الغرض بذكر جرّ البعير بطنه زيادة الارتواء ولا يحصل ذلك إلّا أن يكون حاصلا ، فلذلك « 6 » وجب الرّفع . ومثّل بالآية « 7 » في الرّفع والنّصب ، فأمّا النصب فعلى أنّ الإخبار بالزّلزال وبقول الرسول كان « 8 » مترقّبا عند الزّلزال ، وليس فيه إخبار بوقوع قول الرسول ، وإن كان الوقوع قد ثبت بأمر آخر « 9 » ، وأمّا قراءة الرّفع فعلى أنّ الإخبار بالزّلزال وبالقول الحاصل في الوجود على
--> ( 1 ) جاء في حاشية د : « وجهي الرفع يعني الحال تحقيقا أو تقديرا لحكاية الحال الماضية » . ق : 141 أ ( 2 ) سقط من د : « ههنا » . ( 3 ) أي قول الزمخشري : « أسلمت حتى أدخل الجنة » . المفصل : 246 - 247 . ( 4 ) أي قول الزمخشري : « مرض حتى لا يرجونه » . المفصل : 247 ( 5 ) سقط من ط : « أن » . خطأ . ( 6 ) سقط من د : « فلذلك » . خطأ . ( 7 ) أي قوله تعالى : وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ . البقرة : 2 / 214 ( 8 ) في ط : « بالزلزال والقول كان . . . » . ( 9 ) بعدها في د : « خارج » .