عثمان بن أبي بكر الدوني ( ابن الحاجب )
18
الإيضاح في شرح المفصل
وتحقيقا في بعضها ، والألفاظ إذا خرجت عن دلالتها الأصليّة لغرض آخر من الدلالة لا يخرجها ذلك عن حدّها وإعرابها ، ألا ترى أنّك إذا قلت : « بعت » وأنت تريد الإنشاء فإنّه لا دلالة لها على زمان أصلا ، ومع ذلك فإنّك تحكم بأنّه فعل ماض ، وكذلك إذا قلت : « ما أحسن زيدا » فإنّك تقول : « ما » : مبتدأ ، و « أحسن » : فعل ماض ، وفيه فاعل « 1 » ، و « زيدا » مفعول بوقوع الفعل عليه ، ولا يصحّ ذلك إلّا بتقدير أصل كان فيه كذلك ، وإلّا فهو بعد إيراده للتعجّب « 2 » لا يفهم منه هذا المعنى أصلا ، إذ ليس لك غرض في أن تخبر بأنّ شيئا حسّن زيدا ، بل قصدك إلى التعجّب لا غير ، وإنّما ذلك شيء يقدّر أصلا له ، ثمّ نقل عنه إلى هذا المعنى ، فبقي إعرابه بعد النّقل إلى هذا المعنى كما كان في الأصل ، وكذلك قول من يقول : إنّ أصله استفهام « 3 » ، أو اسم موصول « 4 » ، ومن ثمّ كان المختار أنّه لا يلزم من كلّ مجاز أن يكون له حقيقة ، ولمّا قامت الدلالة على فعليّتها « 5 » بالخصائص كان هذا « 6 » التقدير أحقّ لثبوت مثله ، وكذلك إذا قلنا : ضارب فإنّه يدلّ على معنى في نفسه من غير زمان ، وقد يستعمل دالا على الزمان ، كقولهم : « مررت برجل ضارب زيدا » ، ومع ذلك فلم يخرجه عن الاسميّة ، لأنّ أصل وضعه لا دلالة فيه على الزمان ، فكذلك هذه الأفعال أصل وضعها الدّلالة على الزمان ، ثمّ استعملت / لمعانيها الخاصّة مجرّدة عن معاني الزمان ، فلا يخرجها ذلك عن حقيقة الفعليّة كما لم يخرج ضاربا دلالته « 7 » على الزمان عن حقيقة الاسم . وقد أورد على حدّ الاسم قولهم : المستقبل والماضي ونحوهما « 8 » ، فإنّها تدلّ على الحدث والزمان ، فأجيب بأمرين :
--> ( 1 ) في ط : « وفاعل » وسقط « فيه » ، خطأ . ( 2 ) في ط : « بعد إرادة التعجب » . ( 3 ) ممن قال بهذا الفراء وابن درستويه ، انظر ما سيأتي ورقة : 120 ب من الأصل ، وورقة : 216 ب من الأصل . ( 4 ) جوّز الأخفش أن تكون « ما » معرفة موصولة والجملة بعدها صلة لا محل لها ، انظر شرح الكافية للرضي : 2 / 310 ، ومغني اللبيب : 329 ، وردّ المبرد هذا القول في المقتضب : 4 / 177 ، وانظر الكتاب : 1 / 72 - 73 ، وانظر ورقة : 216 أمن الأصل . ( 5 ) أي فعلية نعم وبئس وليس وحبذا وعسى . ( 6 ) في د : « كان فيها هذا » . ( 7 ) في د : « ضارب بدلالته » . ( 8 ) في الأصل . ط : « ونحوه » ، وما أثبت عن د .