عثمان بن أبي بكر الدوني ( ابن الحاجب )

301

الإيضاح في شرح المفصل

والوجه الثاني : أنّ هذه المصادر المستعملة هذا الاستعمال هل هي قياس أو مخصوصة بما سمع منها ؟ فذهب الأكثرون إلى أنّها موضوعة بمعنى الحال « 1 » ، على حذف المضاف « 2 » ، فإذا قلت : « جاء زيد مشيا » فمعناه ماشيا ، لا على أنّ التقدير « ذا مشي » ، وهو مذهب المصنّف ، لأنّه صرّح « 3 » بذلك ، وجعله في هذا الموضع كالحال الواقعة مصدرا ، ولا خلاف أنّ الحال بمعنى المصدر نفسه ، لا على حذف يصيّره مصدرا . وذهب الأكثرون في الوجه الثاني إلى أنّها سماعيّة لا قياسيّة ، وذهب المبرّد ومن تابعه إلى أنّها قياسيّة بشرط أن يكون في الفعل دلالة عليها « 4 » ، ومعنى دلالة الفعل عليها أن تكون في المعنى من تقسيمات الفعل ، كالمشي والرّكض والعدو بالنسبة إلى المجيء ، فيجيز « جاءني زيد عدوا » و « مشيا » و « ركوبا » و « جريا » وأشباه ذلك لأنّها في المعنى من أقسام المجيء « 5 » ، ويمنع « جاء زيد ضحكا » و « بكاء » و « أكلا » و « شربا » وما أشبهه ، لأنّها ليست في المعنى أقسام المجيء « 6 » ، وكذلك أجاز « 7 » : « أتانا رجلة » و « سرعة » ، لأنّه مثل « 8 » قولك : « أتانا مشيا » ، ولم يجزه سيبويه « 9 » ، لأنّه مخصوص عنده بالسّماع ، ولم يسمع ذلك .

--> ( 1 ) هو مذهب سيبويه وجمهور البصريين ، انظر الكتاب : 1 / 370 ، والمقتضب : 3 / 234 ، وكلام السيرافي في حاشية الكتاب : 1 / 370 ، وارتشاف الضرب : 2 / 342 . ( 2 ) في د . ط : « مضاف » . وظاهر كلام الرضي أنه لا يمتنع أن تحمل هذه المصادر على حذف مضاف ، انظر شرح الكافية له : 1 / 211 ، وارتشاف الضرب : 2 / 343 . ( 3 ) في ط : « صريح » . وانظر المفصل : 62 . ( 4 ) انظر المقتضب : 3 / 234 ، وكلام السيرافي في حاشية الكتاب : 1 / 370 ، وشرح المفصل لابن يعيش : 2 / 59 ، وشرح التسهيل لابن مالك : 2 / 228 ، وارتشاف الضرب : 2 / 343 . ( 5 ) سقط من د من قوله : « فيجيز جاءني زيد عدوا » إلى « المجيء » ، وهو خطأ . ( 6 ) في الأصل . ط : « الفعل » وما أثبت عن د وهو أحسن ، قال السيرافي : « ولا تقول : أتانا ضربا ولا أتانا ضحكا ، لأن الضرب والضحك ليس من ضروب الإتيان » . انظر حاشية الكتاب : 1 / 370 . ( 7 ) في د : « ولا يمنع » مكان « وكذلك أجاز » ، والضمير في « أجاز » يعود إلى المبرد ، انظر المفصل : 62 . ( 8 ) في د : « بمنزلة » . ( 9 ) انظر الكتاب : 1 / 370 .