عثمان بن أبي بكر الدوني ( ابن الحاجب )
157
الإيضاح في شرح المفصل
الناس « 1 » ، ولكنّ الذي ذكره هو قول الأكثر « 2 » ، وهو الصحيح لأنّ « سواء » ليس بصفة في أصل وضعه « 3 » ، فإجراؤه على باب الاسميّة أولى من إجرائه على باب الوصفية ، ولو كان صفة في الأصل لكان تقديره فاعلا أحسن ، ألا ترى أنّ قولك : « مررت برجل قائم أبوه » أحسن من قولك : « مررت برجل قائم أبوه » ، وقولك : « مررت برجل سواء هو وأبوه » أحسن من قولك : « مررت برجل سواء هو وأبوه » ، وكذلك ههنا ، إذا جعله غير فاعل ، فيكون « سواء » خبرا مقدّما ، كان أولى من جعله فاعلا ، فيكون « سواء » خبر إنّ ، وأمّا قوله تعالى : أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ فهو فعل مقدّر بالمصدر ، وأصله كما مثّل ، وإنما عدل به عن أصله تقوية لمعناه في غرض التّسوية ، فإنّ همزة الاستفهام و « أم » نصّ في استواء ما وقع بعدهما ، فلمّا قصد إلى تقرير « 4 » معنى الاستواء استعمل ذلك / اللّفظ مجرّدا عن معنى الاستفهام منقولا للاستواء خاصّة ، وهم ينقلون الكلام وإن كان في الأصل لمعنى إلى معنى آخر لأجل بعض ذلك المعنى ، ألا ترى أنّهم يقولون : « أمّا أنا فأفعل كذا أيّها الرجل » ، ولا يعنون النداء ، وإنّما يقصدون الاختصاص « 5 » ، لما في النداء من معنى الاختصاص . وتمثيله بذلك مع « تميميّ أنا » يشعر بأنّه عنده من قبيل الجائز ، ولأنّه قطعه عن قوله : « وقد التزم » ، حيث ذكره قبله ، والظاهر أنّه ممّا التزم فيه التقديم ، لأنّه لم يسمع خلافه مع كثرته ، ولشدة « 6 » ما فهم منه « 7 » من المبالغة في معنى الاستواء حتى فعلوا ما ذكرناه من التغيير ، فيناسب « 8 » تقديمه تنبيها على المبالغة وعلى التغيير .
--> ( 1 ) أجاز ابن كيسان أن يكون « سواء » خبر « إنّ » وما بعده قام مقام الفاعل ، انظر إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس : 1 / 184 . ( 2 ) . مذهب المبرد وأبي علي الفارسي أنّ « سواء » رفع بالابتداء و « أأنذرتهم أم لم تنذرهم » الخبر . انظر إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس : 1 / 184 ، والحجة للقراء السبعة : 1 / 268 - 269 ، ومشكل إعراب القرآن : 1 / 20 ، والتبيان : 1 / 20 . ( 3 ) في د : « الوضع » . ( 4 ) في ط : « تقدير » . ( 5 ) في د : « اختصاصا » . ( 6 ) في الأصل . ط : « وسره » ، وما أثبت عن د . وهو أحسن . ( 7 ) سقط من د . ط ، « منه » . ( 8 ) في د : « فناسب » .