جلال الدين السيوطي
98
الأشباه والنظائر في النحو
نعم ؛ إن أردت بالفعل المفعول الذي ليس هو الحدث ، بل المفعول به كان مجازا ، وحينئذ يصحّ فيه أن يكون مفعولا به ، وفيه تجوّز أيضا من جهة أنّ حقيقة المفعول هو الصادر عن الفاعل ، وحقيقة المفعول به هو ما وقع عليه فعل الفاعل على ما تقدّم عن اصطلاح متأخّري النحاة ، وهما متغايران كما قدّمنا . الثامن : إذا قلت ( عمل محرابا ) : فإن أسندت الفعل إلى اللّه تعالى صحّ ، وانتصب ( محرابا ) على أنّه مفعول به ، وهو أيضا مفعول ، ومنه قوله تعالى : مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا [ يس : 71 ] وقد بيّنا وجه ذلك فيما سبق ، وإن أسندته إلى غير اللّه فقلت : عمل النجار محرابا ، لم يكن المحراب مفعولا نفسه لما قدّمنا أنّ عمل العباد لا يتجاوزهم ، ولأنّ مادة المحراب ليست معمولة للعباد ، وهي جزء المحراب ، فأولى أن لا يكون الكلّ معمولا لهم . وفي جعله مفعولا به تفصيل وهو أنّك إن جعلت ( عمل ) مجازا عن ( نجر ) كان إعماله في ( محرابا ) حقيقة على أنّه مفعول به لقولك نجرت محرابا ، فإنّ النّجر واقع على المحراب وقوع الضرب على زيد ، وكان المجاز في لفظ ( عمل ) ليس إلّا ، وإن جعلت ( عمل ) على حقيقته ، فإن جعلته على حذف مضاف كما سبق ، فالتقدير : عمل تصوير محراب ، فالتصوير مصدر ، فإذا حذف وأقيم المحراب مقامه أعرب مفعولا به على المجاز ، وإن قدّرته : عملت صنعة محراب ، على أن تكون الصورة الحاصلة في المحراب معمولة بخلاف ما قلناه فيما سبق ، كان كذلك أيضا ؛ وإن جعلت المحراب معمولا باعتبار أنّه محلّ العمل إطلاقا لاسم المحلّ على الحال لزم المجاز أيضا ، فالمجاز لازم على كلّ تقدير ، ولا شكّ في جواز الإطلاق ، قال تعالى : لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ [ يس : 35 ] . التاسع : بان بهذا أنّ قوله : اعْمَلُوا صالِحاً إنّما ينتصب ( صالحا ) فيه على غير المفعول به ، ولا يجوز انتصابه على المفعول به إلّا بمجازين : أحدهما : إطلاق الصالح على المفعول الذي ليس عملا . والثاني : إضافة العمل إليه ، وشيء ثالث وهو حذف الموصوف من غير دليل ، بخلاف ما إذا قدّرنا ( عملا ) الذي هو المصدر ، فإنّ الفعل يدلّ عليه . وكلّ واحد من هذه الثلاثة لا يصار إليه من غير ضرورة ، ولا ضرورة في جعله مفعولا به ، فكيف يصار إليه وفيه هذه المحذورات الثلاثة . العاشر : ظهر بهذا وجه التقدير في قوله تعالى : أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ [ سبأ : 11 ] ، وقوله تعالى : يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ [ سبأ : 13 ] . وأمّا قوله تعالى : اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [ سبأ : 13 ] ، فانتصاب شكرا على أنّه مفعول