جلال الدين السيوطي
91
الأشباه والنظائر في النحو
[ العنكبوت : 44 ] : إن ( السماوات ) مفعول به والصواب أنّه مفعول مطلق ، لأنّ المفعول ما يقع عليه اسم المفعول بلا قيد كقولك : ضربت ضربا ، والمفعول به ما لا يقع عليه ذلك إلّا مقيّدا بقولك : ( به ) ، كضربت زيدا . وأنت لو قلت : ( السماوات ) مفعول كما تقول ( الضرب ) مفعول كان صحيحا ، ولو قلت ( السماوات ) مفعول به كما تقول ( زيد ) مفعول به لم يصحّ . « إيضاح آخر » : المفعول به ما كان موجودا قبل الفعل الذي عمل فيه ، ثمّ أوقع الفاعل به فعلا ، والمفعول المطلق ما كان الفعل العامل فيه هو فعل إيجاده ، والذي غرّ أكثر النحويّين في هذه المسألة أنّهم يمثّلون المفعول المطلق بأفعال العباد ، وهم إنّما يجري على أيديهم إنشاء الأفعال لا الذوات ، فتوهّموا أنّ المفعول المطلق لا يكون إلّا حدثا ولو مثّلوا بأفعال اللّه تعالى لظهر لهم أنّه لا يختصّ بذلك لأنّ اللّه تعالى موجد للأفعال وللذّوات جميعا ، لا موجد لها في الحقيقة سواه سبحانه وتعالى . وممّن قال بهذا القول الذي ذكرته الجرجانيّ ، وابن الحاجب في ( أماليه ) . وكذا البحث في : « أنشأت كتابا » ، و « عمل فلان خيرا » . و آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ * [ البقرة : 25 - 82 - 277 ] » انتهى . وقال ابن الحاجب في ( أماليه ) قولهم : خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ : من قال إنّ الخلق هو المخلوق فواجب أن تكون السماوات مفعولا مطلقا لبيان النّوع ، إذ حقيقة المصدر المسمّى بالمفعول المطلق أن يكون اسما لما دلّ عليه فعل الفاعل المذكور ، وهذا كذلك لأنّا بنينا على أنّ المخلوق هو الخلق ، فلا فرق بين قولك : خلق اللّه خلقا وبين قولك : خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ إلّا ما في الأوّل من الإطلاق وفي الثاني من التخصيص ، فهو مثل قولك : قعدت قعودا ، وقعدت القرفصاء ، فإنّ أحدهما للتأكيد والثاني لبيان النوع ، وإن استويا في حقيقة المصدريّة ، وهذا أمر مقطوع به بعد إثبات أنّ المخلوق هو الخلق . ومن قال إنّ المخلوق غير الخلق وإنّما هو متعلّق الخلق ، وجب أن يقول : إنّ السماوات مفعول به ، مثله في قولك : ضربت زيدا ، ولكنّه غير مستقيم لأنّه لا يستقيم أن يكون المخلوق متعلّق الخلق ، لأنّه لو كان متعلّقا له لم يخل أن يكون الخلق المتعلّق قديما أو مخلوقا ، فإن كان مخلوقا تسلسل فكان باطلا ، وإن كان قديما فباطل ، لأنه يجب أن يكون متعلّقه معه ، إذ خلق ولا مخلوق محال ، فيؤدّي إلى أن تكون المخلوقات أزليّة وهو باطل ، فصار القول بأنّ الخلق غير المخلوق يلزم