جلال الدين السيوطي

59

الأشباه والنظائر في النحو

« إنّ هناك لإبلا أم شاء » بالنّصب ومحمل هذا عند الجماعة - إن ثبت - على إضمار فعل ، أي أم أرى شاء ، لا على العطف على اسم ( إن ) . ولقوله رحمه اللّه وجه من النّظر ، وهو أنّ المنقطعة بمعنى ( بل ) والهمزة ؛ وقد تتجرّد لمعنى ( بل ) ، فإذا استعملت على هذا الوجه كانت بمنزلة ( بل ) ، وهي تعطف المفردات ، بل لا تعطف إلّا المفردات . فإذا لم يجب ل ( أم ) هذه أن تعطف المفردات ، فلا أقلّ من أن يجوز . فإن قيل : لو صحّ هذا الاعتبار لكان ذلك كثيرا كما في العطف ب ( بل ) ، ولم يكن نادرا ، ولا قائل بكثرته ، بل الجمهور يقولون : بامتناعه البتّة ، وابن مالك يقول بندوره ، قيل : الذي منع من كثرته أنّ تجرّد ( أم ) المنقطعة لمعنى الإضراب مع دخولها على مفرد لفظا قليل . وتبيّن من هذا أنّه كان ينبغي لابن مالك أن يقول : وقد تعطف المفرد إن تجرّدت عن معنى الاستفهام ، وقد يجاب بأنّه استغنى عن هذا التقييد بما هو معلوم من حكم الاستفهام بالهمزة ، وأنّه لا يدخل على المفردات ، فكذا الاستفهام ب ( أم ) التي هي في قوّة الهمزة و ( بل ) . وأمّا قول الزّمخشريّ في أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَ وَآباؤُنَا [ الواقعة : 47 - 48 ] : إنّ ( آباؤنا ) عطف على الضّمير في ( مبعوثون ) وساغ العطف على الضمير المرفوع المستتر للفصل بين العاطف والمعطوف عليه بالهمزة ، فمردود بما ذكرناه . وأمّا أوجه المعنى : فأحدها : ما أسلفناه في صدر المسألة من أنّ المتّصلة لطلب التصوّر ، والمنقطعة لطلب التصديق . والثاني : أنّ المتّصلة تفيد معنى واحدا ، والمنقطعة تفيد معنيين غالبا ، وهما الإضراب ، والاستفهام . والثالث : أنّ المتّصلة ملازمة لإفادة الاستفهام ، أو لازمه وهو التّسوية . والمنقطعة قد تنسلخ عنه رأسا . وسبب ذلك ما قدّمناه ، من أنّها تفيد معنيين فإذا تجرّدت عن أحدهما بقي عليها المعنى الآخر . والمتّصلة لا تفيد إلّا الاستفهام ، فلو تجرّدت عنه صارت مهملة . وممّا يدلّ على أنّ المنقطعة قد تأتي لغير الاستفهام دخولها على الاستفهام كما قدّمنا من الشواهد . وبهذا يعلم ضعف جزم النّحويّين أو أكثرهم في : « إنّها لإبل أم شاء » بأنّ التقدير : « بل أهي شاء » إذ يجوز أن يكون التقدير : « بل هي شاء » على أنّ المتكلّم أضرب عن الأول ، واستأنف إخبارا بأنّها شاء . وعلى هذا المعنى اتّجه لابن مالك أن يدّعي أنّها عاطفة مفردا على مفرد كما قدّمناه ، ويعلم أيضا غلط ابن النحويّة وغيره في استدلالهم بنحو : أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ