جلال الدين السيوطي

55

الأشباه والنظائر في النحو

المطلوب له هو المتكلّم أو غيره ؛ ولهذا تقول : استغفرت لفلان كما تقول : استغفرت لنفسي ، وفي التنزيل : فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ [ النساء : 64 ] ، وتكون فائدة الاستفهام لغيرك أن يتكلّم المجيب الجواب فيسمعه من جهل فيستفيده . فقلت : لو صحّ ذلك لم يطبق العلماء على أنّ ما ورد منه في كلامه سبحانه مصروف إلى معنى آخر غير الاستفهام ، ولو كان على ما ذكر لم يستحل حمله على الظاهر ، ويكون المراد منه أنه يجيب بعض المخاطبين فيفهم الجواب من لم يكن عالما به . فإن قيل فما سبب الفرق بين طلب المغفرة مثلا وطلب الاستفهام قلت : طلب الإنسان المغفرة لغيره ممّا يقع في العادة كما يطلب لنفسه ، وأمّا طلبه لغيره أن يفهّمه الشخص المطلوب منه مع كون الطالب عالما فهو وإن كان ممكنا إلّا أنّه لا تدعو الحاجة إلى إرادته غالبا ؛ فإنّ المتكلّم إذا كان عالما ، كان أسهل من طلبه من غيره تفهيم غيره أن يفهّمه هو ، فلذلك لم ينصرف إرادة الواضع إلى ذلك القصد لعدم الحاجة إليه غالبا . الفصل الثاني : في تفسير المطلوب بأداة الاستفهام وتقسيم الأداة باعتباره : اعلم أنّ المطلوب حصوله في الذّهن إمّا تصوّر أو تصديق ، وذلك لأنّه إمّا أن يطلب حكما بنفي أو إثبات ، وهو التّصديق ، أو لا ، وهو التصوّر ، والأدوات بالنسبة إليهما ثلاثة أقسام ؛ مختصّ بطلب التصوّر ، وهو ( أم ) المتّصلة وجميع أسماء الاستفهام ، ومختصّ بطلب التصديق ، وهو ( أم ) المنقطعة و ( هل ) ، ومشترك بينهما ، وهو الهمزة التي لم تستعمل مع ( أم ) المتّصلة ، تقول في طلب التصوّر : أزيد الخارج ، فإنّ المطلوب تعيين الفاعل لا نفس النّسبة ؛ وفي طلب التصديق : « أخرج زيد » ، كذا مثّلوا ، والظاهر أنّه محتمل لذلك بأن يكون المتكلّم شاكّا في حصول النّسبة ، ومحتمل لطلب تصوّر النّسبة . وبيان ذلك أنّ المتكلّم إذا شكّ في أنّ الواقع من زيد خروج أو دخول ، فله في السؤال طرق ؛ إحداها : « أخرج زيد أم دخل » ، وجوابه بالتّعيين ، فيحصل مراده بالتّنصيص عليه . والثانية : « أخرج زيد » . والثالثة : « أدخل زيد » ، فإنّه يجاب في كلّ منهما بنعم أو ب ( لا ) ، ويحصل له مراده . وإنّه إذا أجيب بنعم علم ثبوت ما سأل عنه ، وانتفى الفعل الذي لم يسأل عنه . وإذا أجيب ب ( لا ) علم انتفاء ما سأل عنه ، وثبوت ما لم يسأل عنه . وتلخيصه : أنّ تصديق المذكور يقتضي تكذيب غيره وبالعكس ، وغرض السائل حاصل على كلّ تقدير . وغاية ما يخلف في هاتين الطريقتين أنّ السامع لا يعلم هل السائل متردّد بين نسبتين ، أو بين حصول نسبة وعدمها ، وهذا أمر خارج عمّا نحن فيه .