جلال الدين السيوطي

44

الأشباه والنظائر في النحو

ذات النّحيين « 1 » ، وأزهى من ديك « 2 » ، وأعنى بحاجتك ، و « أخوف ما أخاف على أمّتي الأئمّة المضلّون » « 3 » ، إذ المراد أنّ المعبّر عنه بذلك شغل وزهي وعني أكثر من شغل غيره وزهوه وعنايته ، وكذا « أخوف ما أخاف » أي : الأشياء التي أخافها على أمتي أحقّها بأن يخاف الأئمّة المضلّون ، فمعنى الحديث هاهنا : غير الدّجّال أخوف مخوفاتي عليكم ، فحذف المضاف إلى الياء فاتصل بها « أخوف » معمودة بالنون كما تقرّر ، ويحتمل أن يكون أخوف من أخاف بمعنى خوّف ، ولا يمنع ذلك كونه عن ثلاثي فإنّه على أفعل ، وما على وزن أفعل والثلاثي فيه سواء عند سيبويه في التفضيل والتعجب ، صرّح به مرارا ، فالمعنى : غير الدّجّال أشدّ موجبات خوفي عليكم ، ثم اتّصل بالياء معمودة بالنون على ما تقرر ، ويحتمل أن يكون من وصف المعاني بصفات الأعيان مبالغة كشعر شاعر ، وهذا الشعر أشعر من هذا ، وعجب عاجب ، وموت مائت ، وخوف خائف ، ويقال : فلا أخوف من خوفك ، ومنه قول الشاعر : [ المتقارب ] « 603 » - يداك يد خيرها يرتجى * وأخرى لأعدائها غائظه فأمّا الّتي يرتجى خيرها * فأجود جودا من اللّافظه وأمّا الّتي يتّقى شرّها * فنفس العدوّ بها فائظه فنصب جودا بأجود على التمييز ، وذلك يوجب لكونه فاعلا معنى ، لأنّ كل منصوب على التمييز بأفعل التفضيل فاعل في المعنى ، ونصبه علامة فاعليّته ، وجرّه علامة أنّ أفعل بعض منه ، ولهذا معنى « زيد أحسن عبدا » أنّ عبده فاق عبيد غيره في الحسن ، وإن جررت فمعناه أنّه بعض العبيد الحسان وهو أحسنهم ، فمعنى الحديث على هذا : خوف غير الدّجّال أخوف خوفي عليكم ، ثم حذف المضاف إلى غير وأقيم هو مقام المحذوف ، وحذف خوف المضاف إلى الياء وأقيمت هي مقامه ، فاتّصل أخوف بالياء معمودة بالنون ، ويحتمل أن يكون أخوف فعلا مسندا إلى واو هي ضمير عائد على غير الدجال لأنّ من جملة ما يتناوله غير الدجال الأئمة

--> ( 1 ) ذكره الميداني في مجمع الأمثال ( 1 / 376 ) . ( 2 ) انظر مجمع الأمثال ( 1 / 327 ) . ( 3 ) أخرجه أحمد في مسنده ( 6 / 441 ) . ( 603 ) - الأبيات لطرفة في ديوانه ( ص 155 ) ، والبيت الأول في شرح التصريح ( 1 / 182 ) ، والأول والثاني في المقاصد النحوية ( 1 / 572 ) ، والبيت الأول بلا نسبة في أوضح المسالك ( 1 / 228 ) ، وتخليص الشواهد ( ص 212 ) ، وخزانة الأدب ( 1 / 133 ) ، وشرح الأشموني ( 1 / 106 ) ، ولسان العرب ( غيظ ) ، والبيت الثاني بلا نسبة في لسان العرب ( فيظ ) ، وتاج العروس ( فيظ ) ، والبيت الثالث بلا نسبة في لسان العرب ( فيظ ) .