جلال الدين السيوطي

35

الأشباه والنظائر في النحو

المستفادة من ملحوظة على وجه البدليّة ، ويكون الفعل واقعا عليه فيكون في حيّز الباء ، وإن لم يكن تقدير الباء عليه إذ قد يحتمل في التابعية ما لا يحتمل في المتبوعيّة ، كما في قولهم : ربّ شاة وسخلتها ، لا بدّ لنفي هذا من دليل ، ثم على تقدير التسليم نقول : قوله : لأنّ المعتبر في مبدئية الفعل المبدأ الفاعلي إلى آخره ، محلّ بحث لأنّ التعميم الذي في قوله : أو جهة يلتبس بها غير منضبط ، فإن جهات التلبّس أكثر من أن تحصر من جهة الكمية ، ولا تنتهي إلى حدّ من الحدود من جهة الكيفية ، ولا يخفى أنّ كون مثل القرآن مبدأ ماديا للسورة من جهة التلبّس أمر يقبله الذهن السليم والطبع المستقيم ، على أنّك لو حققت معنى من الابتدائية يظهر لك أن ليس معناه إلّا أن يتعلّق به على وجه اعتبار المبدئية الأمر الذي اعتبر له ابتداء حقيقة أو توهّما . وقد ذكر العلّامة التفتازاني كلام الكشاف للردّ ، وقال في أثناء الردّ : « على أنّ كون مثل القرآن مبدأ ماديا للإتيان بالسورة ليس أبعد من كون مثل العبد مبدأ فاعليا له » . انتهى . وأقول : لا يخفى أنّ مثل العبد باعتبار الإتيان بالسورة منه هو مبدأ فاعلي للسورة حقيقة لأنّه لو فرض وقوعه لا يكون العبد مؤلفا لمثل السورة مخترعا له فيكون مبدأ فاعليا حقيقيا ، وأمّا مثل القرآن فلا يكون مبدأ ماديّا للسورة إلّا باعتبار التلبّس المصحّح للتشبيه ، فهو أبعد منه غاية البعد ، بل ليس بينهما نسبة ، فإنّ أحدهما بالحقيقة والآخر بالمجاز ، وأين هذا من ذلك ؟ نعم كون مثل القرآن مبدأ ماديا ليس بعيدا في نظر العقل باعتبار التلبّس ، تأمّل وأنصف . قال الفاضل الطّيبي : « لا يقال : إنّ جعل من مثله صفة لسورة ، فإن كان الضمير للمنزّل فهي للبيان ، وإن كان للعبد فمن للابتداء ، وهو ظاهر ، فعلى هذا إن تعلّق قوله : من مثله بقوله : فأتوا فلا يكون الضمير للمنزّل لأنّه يستدعي كونه للبيان ، والبيان يستدعي تقديم مبهم ولا تقديم ، فتعيّن أن تكون للابتداء لفظا أو تقديرا ، أي : أصدروا وأنشئوا واستخرجوا من مثل سورة ، لأنّ مدار الاستخراج هو العبد لا غير ، فلذلك تعيّن في الوجه الثاني عود الضمير إلى العبد ، لأنّ هذا وأمثاله ليس بواف ، ولذلك تصدّى للسؤال بعض فضلاء الدهر وقال : « قد استبهم قول صاحب الكشّاف حيث جوّز في الوجه الأول كون الضمير لما نزّلنا تصريحا ، وحظره في الوجه الثاني تلويحا ، فليت شعري ما الفرق بين « فأتوا بسورة كائنة من مثل ما نزلنا » و « فأتوا من مثل ما نزّلنا بسورة » ، وأجيب : إنك إذا اطلعت على الفرق بين قولك