جلال الدين السيوطي
238
الأشباه والنظائر في النحو
فعدلوا عن البحث فيه وعن المعنى إلى أنّ ذلك لا يقال في القرآن . وقال بعضهم : ( إلّا ) بمعنى الواو لا تعطف الجمل ، ولا يقدّر في القرآن . وهذا من العجيب فقد حمل الأخفش على ذلك قوله تعالى : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [ البقرة : 150 ] واستشهد على ذلك بقول الشاعر : [ الكامل ] « 752 » - وأرى لها دارا بأغدرة السّ * يدان لم يدرس لها رسم إلّا رمادا هامدا دفعت * عنه الرّياح خوالد سحم أي : وأرى لها دارا ورمادا . وقال الفرّاء في قوله تعالى - وحكى عنه ذلك مكّيّ واستحسنه - فقال : « قوله تعالى : وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ يونس : 61 ] ، حمل هذا اللّفظ على ظاهره وجعل قوله : ( إلّا في كتاب ) متّصلا بما قبله أوجب أنّ أشياء تعزب عن اللّه ، وهي في كتاب مبين ، تعالى اللّه عن ذلك . ومثله في الأنعام : وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ [ الأنعام : 59 ] ، ولكن ( إلّا ) وما بعدها منقطعة ممّا قبلها على إضمار بعد ( لا ) تقديره : وما يعزب عن ربّك من مثقال ذرّة ولا أصغر من ذلك ولا أكبر تمّ الكلام ، فلا شيء يعزب عنه لا إله إلّا هو ، ثمّ ابتدأ فقال : ( وهو في كتاب مبين ) و ( إلا ) في موضع الواو و ( هو ) مضمرة » . قال أبو محمّد مكّيّ عقب حكايته ذلك : « هذا قول حسن لولا أنّ جميع البصريّين لا يعرفون ( إلا ) بمعنى الواو » . وكذلك قال مكّيّ : « وكذلك قال قوم في قوله تعالى : يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [ النجم : 32 ] : إنّ معناه واللّمم » . قال مكي : « وكون إلّا بمعنى الواو بعيد شاذّ ، ولو جعلت ( إلّا ) بمعنى ( لكن ) لكان أقرب وأجود ، فكأنّه قال : لكن هو في كتاب مبين ، وهذا أحسن في التأويل والاستعمال من قول صاحب الكتاب : إنّ ( إلّا ) بمعنى الواو . وكون ( إلّا ) بمعنى ( لكن ) مستعمل كثير ، وكونها بمعنى الواو لا يعرف فحمل الكلام على المعروف المستعمل أولى . والإضمار لا بدّ منه في القولين جميعا ، وبه يتمّ الكلام » انتهى ما ذكر مكّيّ ، وقد علمت منه أمورا : أحدها : أنّ الجرجانيّ جوّز ما جوّزناه . الثاني : أنّ مكّيّا استحسنه إذ قال : لولا أنّ جميع البصريّين لا يعرفون ( إلّا ) بمعنى الواو . وعلى مكّيّ في ذلك اعتراض فقد سبق لك النقل عن الأخفش سعيد بن
--> ( 752 ) - البيتان للمخبل السعدي في ديوانه ( ص 312 ) ، والبيت الأول في اللسان ( إلا ) ، وبلا نسبة في تاج العروس ( إلا ) ، والبيت الثاني بلا نسبة في لسان العرب ( خلد ) ، وتاج العروس ( خلد ) .