جلال الدين السيوطي

23

الأشباه والنظائر في النحو

593 - أفيضوا علينا من الماء فيضا * فنحن عطاش وأنتم ورود فقرأ عليه قراءة تحقيق وإتقان وتدقيق ، فلمّا كشف له الوالد الغطاء ظهر له أنّ كلامك كان كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ، فجاء إليك وأفرغ في صماخيك ، وأقرّ عينيك ، فكان الواجب عليك أن تقول : صاحبه كذا على ما فهمته من بعض تلامذته ، لئلّا يكون انتحالا ، فإنّ ذلك خيانة ، واللّه لا يحب الخائنين ، فإن كابرت وجعلتني من المدّعين فقل : فأت بآية إن كنت من الصادقين فقلت : أمّا بالنسبة إلى الآخرة فكفى باللّه شهيدا بيننا وبينكم ، وأمّا بالنسبة إلى الدّنيا ففضلاء التّبريزيين ، فإنهم عالمون بالحال عارفون بالأمر على هذا المنوال ، ولهذا ما وسعك أن تكتب هذه الهذيانات وأنت في تبريز مخافة أن تصير هزأة للساخرين وضحكة للناظرين ، بل لمّا انتقلت إلى أهل بلد لا يدرون ما الصحيح تكلّمت بكلّ قبيح ، لكن وقعت فيما خفت منه . وأمّا قولك : « ثالثا : لا نسلّم تحقّق أحد الأمرين حقيقة إلى آخر ما قلتم » فكله مخالف للظاهر ، والأصل عدمه ، وتحقيق الجواب فيه يظهر ممّا أذكره في آخر الجواب الرابع . وأمّا قولك : « رابعا : إنّ أو هذه أهي الإضرابيّة ؟ أفهذا باعك في الوجوه الإعرابية ؟ » فنقول : أولا : لا شك أنّك عند تسطير هذا السؤال ما خطر لك هذا بالبال بل لمّا اعترض عليك تمحّلت هذا بالقال ، وثانيا : المثال الذي ذكرته غير مطابق لكلامك ، لو فرضنا أنّه من كلام الفصحاء ، وثالثا : أنّه لا يستقيم أن تكون « أو » في كلامك للإضراب لفوات شرطه ، فإنّ إمام هذا الفن سيبويه إنّما أجاز أو الإضرابية بشرطين : أحدهما : تقدّم نفي أو نهي . والثاني : إعادة العامل ، نحو : ما قام زيد أو ما قام عمر ، ولا يقم زيد أو لا يقم عمر ، ونقله عنه ابن عصفور ، هكذا مذكور في ( مغني اللبيب عن كتب الأعاريب ) ، ثم قال مصنفه ابن هشام المصري « 1 » : « وممّا يؤيّد نقل ابن عصفور أنّ سيبويه قال « 2 » في : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً [ الإنسان : 24 ] : ولو قلت : أو لا تطع كفورا انقلب المعنى ، يعني أنّه يصير إضرابا عن النهي الأول ونهيا عن الثاني فقط . انتهى . فلا يمكن حمل أو في كلامك على الإضراب ، فظهر من القصير باعه في علم

--> ( 1 ) انظر مغني اللبيب ( ص 67 ) . ( 2 ) انظر الكتاب ( 3 / 208 ، 213 ) .