جلال الدين السيوطي
218
الأشباه والنظائر في النحو
من المال - وأنا لم أطلب القليل بل طلبت الكثير . وردّه بعضهم بأنّ باب الإعمال لا يكون حتّى يشترك الثاني مع الأوّل بحرف العطف ، أو يكون معمولا له نحو : « جاءني يضحك زيد » ، حتى يكون الفصل كلا فصل ، إذ العرب لا تقول : « أكرمت أهنت زيدا » إلّا بالواو أو نحوها . وفي تقديره : لا يشرك الثاني الأوّل في شيء . ثمّ على تقدير اشتراط الرّبط ، فليس الرّبط منحصرا في تعاطف بين العاملين ، أو عمل منهما ، فقد يكون في عمل غيرهما فيهما كما قدّمنا عن أبي الحسن بن عصفور في توجيه الإعمال في : هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [ الحاقة : 19 ] ، و آتُونِي أُفْرِغْ [ الكهف : 96 ] ، إن قلنا : إنّ العامل شرط مقدّر فيه ، أي : إن تأتوني أفرغ ، فقد يحصل ربط من جهة المعنى ، كقوله تعالى : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [ النساء : 176 ] ، فإنّه جواب سؤال مقدّر ، كأنّه قيل : ما جوابك ؟ فقيل : قل اللّه . . . . ، وهكذا يخرّج هاؤُمُ اقْرَؤُا . . . ، والبيت أيضا « 1 » : [ الكامل ] هيهات لا يأتي الزّمان بمثله * إنّ الزمان بمثله لبخيل هو أنّه سأله ، كأنّه قيل : فإن قيل لماذا بعد قيل : لا يأتي الزمان بمثله أو تقول الجملة الثانية مفسّرة للأولى كأنّه قال : « بعد مثله ، أي لا يأتي الزّمان بمثله » ، فإن قيل : فهيهات بمعنى بعد ، والبعد تفسيره : بعد إتيان الزّمان بمثله ، قلت : البعد يستعمل في المحال كقوله تعالى حكاية عن الكفّار ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ ق : 3 ] ، فإن قيل ذلك في لفظ ( بعيد ) ، قلت : جاء في لفظ ( هيهات ) ، قال : هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ [ المؤمنون : 36 ] . وقد نصّ ابن عصفور في قوله « 2 » : [ الطويل ] هيهات هيهات العقيق [ وأهله * وهيهات خلّ بالعقيق نواصله ] على أنّه من باب الإعمال ، ونقله عن أبي عليّ وغيره ، ونفى أن يكون من باب التأكيد ، فانظر إلى تعلّق الأول بالثاني . قال ابن عصفور في ( شرح أبيات الإيضاح ) : « فإذا قلت إنّها اسم فعل فالاختيار في ( العقيق ) أنّه مرفوع ب ( هيهات ) المتأخّرة عند البصريّين ، وعند الكوفيّين بالمتقدّمة ، وأن تقول هذا من باب الإعمال . وليس قولك : « قام قام زيد » منه ، لأنّ ذلك الثاني مؤكّد للأول ولا يمكن هنا التأكيد ، لأنّ اسم الفعل أتي به بدل الفعل اختصارا ، بدليل قولهم : ( صه ) للمفرد والمثنّى والمجموع المذكّر والمؤنّث ، فتكراره للتأكيد مناقض لما أريد به من الاختصار ، فإن أكّدت الجملة بأسرها ساغ ، نحو « نزال نزال » .
--> ( 1 ) مرّ الشاهد رقم ( 743 ) . ( 2 ) مرّ الشاهد رقم ( 744 ) .