جلال الدين السيوطي

21

الأشباه والنظائر في النحو

قولك في الجواب : إنه كلام تمجّه الأسماع وتنفر عنه الطباع إلى آخره ، فنقول بموجبه : لكن بالنسبة إلى من كانت حاسّته غير سليمة أو سدّ عن الإصاخة إلى الحقّ سمعه وأبى أن ينطق به لسانه ، وهذا قريب ممّا حكى اللّه سبحانه وتعالى عن الكفار المعاندين : وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [ فصلت : 5 ] ، وقولك : « كم عرض على ذي طبع سليم وذهن مستقيم فلم يفهم معناه ولم يعلم مؤدّاه » نقول : هذا كلام متهافت ، إذ لو كانوا ذا طبع سليم وذهن مستقيم لفهموا معناه وتفطّنوا لموجبه ومقتضاه ، فإنّ ذا الطّبع السليم من يدرك اللّمحة وإن لطف شأنها ، ويتنبّه على الرّمزة وإن خفي مكانها ، ويكون مسترسل الطبيعة منقادها مشتعل القريحة وقّادها ، ولكنّهم كانوا مثلك كزّا جاسيا وغليظا جافيا غير داربين بأساليب النظم والنثر ، غير عالمين كيف يرتّب الكلام ويؤلّف وكيف ينظم ويرصف أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ، إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [ الفرقان : 44 ] أما سمعت قول بعض الفضلاء : [ البسيط ] « 589 » - عليّ نحت القوافي من معادنها * وما عليّ إذا لم تفهم البقر أو نقول : فرضنا أنّهم كما زعمت ذوو فهم سليم وطبع مستقيم ، لكنّهم ما اشتغلوا بالعلوم حقّ الاشتغال ، فأين هم من فهم هذا المقال ؟ أما سمعت قول من قال : [ الكامل ] 590 - لو كان هذا العلم يدرك بالمنى * ما كان يبقى في البريّة جاهل وقول الآخر : [ البسيط ] « 591 » - لا تحسب المجد تمرا أنت آكله * لن تبلغ المجد حتّى تلعق الصّبرا ومع أنّ هذه الغوامض كما نبّه عليه الزمخشري لا يكشف عنها من الخاصّة إلّا أوحدهم وأخصّهم وإلّا واسطتهم وفصلهم ، وعامّتهم عماة عن إدراك حقائقها بأحداقهم عناة في يد التقليد لا يمنّ عليهم بجزّ نواصيهم وإطلاقهم ، هذا مع أنّ مقامات الكلام متفاوتة ، فإنّ مقام الإيجاز يباين مقام الإطناب والمساواة ، وخطاب الذكيّ يباين خطاب الغبيّ ، فكما يجب على البليغ في موارد التفصيل والإشباع أن

--> ( 589 ) - الشاهد للبحتري في ديوانه ( ص 955 ) ، والموازنة بين أبي تمام والبحتري ( 1 / 303 ) ، والدرر ( 2 / 222 ) . ( 591 ) - البيت بلا نسبة في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ( 1512 ) .