جلال الدين السيوطي

181

الأشباه والنظائر في النحو

لا يلاصق الجزاء الشرط كذلك الفاء ، ألا ترى أن الفاء في قولك : « إن يقم زيد فعمرو يكرمه » قد فصل بينها وبين الشرط زيد ، وكذلك إذا قلت : « إن تقم فعمرو يكرمك » فقد فصل بين الشرط وبين الفاء الضمير المستكن فيه ، فلما نزلت أما منزلة الفعل الذي هو الشرط لم يجز أن تلاصقه الفاء . فإن قال قائل : هل يجوز أن تكون عاطفة هذه الفاء زائدة لحذفها في الشعر . قيل : لا يخلو أن تكون عاطفة أو زائدة أو جزاء ، فلا يجوز أن تكون عاطفة لدخولها على خبر المبتدأ وخبر المبتدأ لا يعطف على المبتدأ ، ولا يجوز أن تكون زائدة لأن الكلام لا يستغني عنها في حال السعة فلم يبق إلّا أن تكون جزاء . وإذا عرفت هذا فالفاء بعد ( أمّا ) لازمة لما ذكرت لك من نيابة ( أمّا ) عن الشّرط وحرفه ، فإن حذفها الشاعر فللضّرورة كما جاز له حذفها من جواب الشّرط كقول عبد الرّحمن بن حسّان بن ثابت « 1 » : [ البسيط ] من يفعل الحسنات اللّه يشكرها * والشّرّ بالشّرّ عند اللّه سيّان كان الوجه أن يقول : فاللّه . ومثل حذفها من قوله « 2 » : [ الطويل ] فأمّا القتال لا قتال لديكم * [ ولكنّ سيرا في عراض المواكب ] حذفها من قول بشر بن أبي خازم : [ المتقارب ] « 682 » - وأمّا بنو عامر بالنّسار * غداة لقوا القوم كانوا نعاما ومع هذا التشديد في حذف الفاء من جواب ( أمّا ) قد جاء حذفها في التّنزيل : ولكنّه حذف كلا حذف ، وإنّما حسّن ذلك حتّى جعله كطريق مهيع حذفها مع ما اتّصلت به من القول ، والقول قد كثر حذفه في التّنزيل لأنّه جار في حذفه مجرى المنطوق به ، فمن ذلك قوله تعالى : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ . سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [ الرعد : 23 - 24 ] ، أي : يقولون سلام عليكم . ومثله : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا [ البقرة : 127 ] ، أي : يقولان : ربّنا تقبّل منّا . ومثله : وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا [ السجدة : 12 ] . والآية التي ورد فيها

--> ( 1 ) مرّ الشاهد رقم ( 628 ) . ( 2 ) مرّ الشاهد رقم ( 677 ) . ( 682 ) - الشاهد لبشر بن أبي خازم في ديوانه ( ص 190 ) ، ولسان العرب ( نعم ) ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ( ص 722 ) ، ولسان العرب ( طعم ) .