جلال الدين السيوطي
145
الأشباه والنظائر في النحو
عند ذكر اللّه فليس بكامل الإيمان . وردّ بأنّ هذا مجاز ، وأجيب بأنّه يجب المصير إليه جمعا بين الأدلّة ، فإنّه قد قام الدليل الذي قدّمناه على إفادتها الحصر وهو معاملة الضمير بعدها معاملته بعد ( إلّا ) المسبوقة بالنّفي ، ولهذا قال المحقّقون : والأكثر أنّها للحصر ، حتّى لقد نقل النّوويّ إجماع النحويّين والأصوليّين على إفادتها الحصر ، ذكره في ( شرح مسلم ) ، وهو غريب . فهذا ما يتعلّق بإثبات الأمر الثّاني المعنويّ . وأمّا ما يتعلّق بالأوّل فنقول : إنّ أصل ( إنّما ) ، ( إنّ ) و ( ما ) ، وأنّ ( إنّ ) من ( إنما ) هي التي كانت الرافعة الناصبة قبل وجود ( ما ) ، وإنّ ( ما ) هي الحرف التالي لنحو ( ليت ) في قولهم : « ليتما أخوك منطلق » . فهذه ثلاثة أمور يدل عليها عندي أمران : أحدهما : أنّهم لم يختلفوا في ( ليتما ) و ( لعلّما ) و ( لكنّما ) و ( كأنّما ) في ذلك ، يعني في تركيبها ، والثاني : أنّ ( ما ) غير نافية ، فلتكن ( إنّما ) كذلك . فإن قيل : هذه غير تلك التي تدخل عليها ( ما ) الكافّة ، وأنّ ( إنّما ) على قسمين ، فهذه دعى ما لا يثبت ، ولا يقوم عليه دليل . وأيضا فبأيّ شيء تفرّق أيّها العاقل بين ( إنّما ) هذه و ( إنّما ) تلك ؟ وأيضا فلم يقل أحد إنّ ( إنّما ) على قسمين : مفيدة للحصر ، وغير مفيدة له . فهذا الحقّ الذي لا يحيد عنه من فيه أدنى إنصاف . فإن قيل : معالة ( ما ) بعد ( إنّما ) معاملة ( ما ) بعد ( إلّا ) المسبوقة بالنّفي تدلّ على أنّ ( ما ) نافية ، فذلك غير لازم ، إذ لا يمتنع أن يكون الشيء حكمه حكم شيء آخر ، وإن لم يكن مركّبا منه ولا من شيء يشبهه . وإنّما الأمر في ذلك أنّ العرب استعملوا ( إنّما ) بعد تركيبها من الحرفين في موطن الحصر ، وخصّوها بذلك لمشاركتها ل ( ما ) و ( إلّا ) في الحكم ، لأنّهم استعملوها استعمالها وألزموها موضعها ، لا لأنّ ( ما ) من ( إنّما ) نافية ، كما أنّه ليس ذلك لأجل أنّ ( إنّما ) مأخوذة من ( إلّا ) . ثم هذه المقالة بعد فسادها من جهة النّظر مخالفة لأقوال النّحاة ، فإنّهم إنّما ينصّون على أنّ ( ما ) كافّة ولا يعرف القول بأنّها نافية إلّا لبعض المتأخّرين . واللّه سبحانه وتعالى أعلم .