جلال الدين السيوطي

132

الأشباه والنظائر في النحو

كما ذكره ابن الحاجب وابن مالك . وأصول الباب لا تثبت بالمحتملات ، وإن أثبت بغيره فلا بدّ من بيانه لينظر فيه . قال : فإن قيل : فهل يجوز التقديم في « إنّما » ؟ قلت : لا يجوز قطعا في « إنّما » ، وإنّما جوّز في « ما » و « إلّا » لأنّ « ما » و « إلّا » أصل في القصر ولأنّ التقديم في ( ما ) و ( إلّا ) غير ملبس . كذا قال صاحب ( المفتاح ) ، وقال الحديثي : امتناع التقديم في « إنّما » يقتضي امتناعه في « ما » و « إلّا » ليجري باب الحصر على سنن واحد . قال مولانا العلّامة قاضي القضاة شيخ الإسلام أوحد المجتهدين « 1 » : وقد تأمّلت ما وقع في كلام ابن الحاجب من قوله : « ما ضرب أحد أحدا إلّا زيد عمرا » قوله : إنّ الحصر فيهما معا . والسابق إلى الفهم منه أنّه لا ضارب إلّا زيد ولا مضروب إلّا عمرو ، فلم أجده كذلك ، وإنّما معناه : لا ضارب إلّا زيد لأحد إلّا عمرا ، فانتفت ضاربيّة غير زيد لغير عمرو ، وانتفت مضروبيّة غير عمرو من غير زيد ، وقد يكون زيد ضرب عمرا وغيره ، قد يكون عمرو ضربه زيد وغيره . وإنّما يكون المعنى نفي الضاربيّة مطلقا عن غير زيد ونفي المضروبيّة مطلقا عن غير عمرو إذا قلنا : ما وقع ضرب إلّا من زيد على عمرو فهذان حصران مطلقا بلا إشكال ، وسببه أنّ النفي ورد على المصدر واستثني منه شيء خاصّ ، وهو ضرب زيد لعمرو ، فيبقى ما عداه على النفي كما ذكرناه في الآية الكريمة وفي الآية الأخرى التي ينبغي فيها الاختلاف : إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ [ آل عمران : 19 ] . والفرق بين نفي المصدر ونفي الفعل أنّ الفعل مسند إلى فاعل فلا ينتفي عن المفعول إلّا ذلك المقيّد ، والمصدر ليس كذلك ، بل هو مطلق فينتفي مطلقا إلّا الصورة المستثناة منه بقيودها . وقد جاءني كتابك - أكرمك اللّه - تذكر فيه أنّك « وقفت على ما قرّرته في إعراب » قوله تعالى : غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ [ الأحزاب : 53 ] وأنّ النّجاة اختلفوا في أمرين : أحدهما : وقوع الحال بعد المستثنى نحو قولك : « أكرم الناس إلّا زيدا قائمين » . وهذه هي التي اعترض بها الشيخ أبو حيّان على الزّمخشريّ ، وهو اعتراض ساقط لأنّ الزّمخشريّ جعل الاستثناء واردا عليها ، وجعلها حالا مستثناة ، فهي في الحقيقة مستثناة ، فلم يقع بعد إلّا حينئذ إلّا المستثنى ، فإنّه مفرّغ للحال ، والشيخ فهم أنّ الاستثناء غير منسحب عليه فلذلك أورد عليه أنّ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ ليس مستثنى ولا صفة للمستثنى منه ، ولا مستثنى منه وقد أصبت فيهما . قلت : لكن للشيخ بعض غدر على ظاهر كلام الزّمخشريّ لمّا قال : إنّه حال من ( لا تدخلوا ) ، ولم يتأمّل الشيخ بقية كلامه ، فلو اقتصر على ذلك لأمكن أن يقال : إنّ مراده : لا

--> ( 1 ) يريد تقي الدين السبكي وقد وردت ترجمته مسبقا ، وفي بغية الوعاة ( 2 / 176 ) .