جلال الدين السيوطي
130
الأشباه والنظائر في النحو
دخلت عليه بالبدل ممّا قبلها . والشيخ تعقّب ابن مالك بكلام طويل لم يرده . ولم يتلخّص لنا من كلام أحد من النّحاة ما يقتضي حصرين . وقد قال ابن الحاجب في ( شرح المنظومة ) في المواضع التي يجب فيها تقديم الفاعل في قوله : « إذا ثبت المفعول بعد نفي فلازم تقديمه نوعيّ » قال : « كقولك : « ما ضرب زيد إلّا عمرا » فهذا ممّا يجب فيها تقديم الفاعل ، لأنّ الغرض حصر مضروبيّة زيد في عمرو خاصة ، أي لا مضروب لزيد سوى عمرو ، فلو كان له مضروب آخر لم يستقم ، بخلاف العكس ، فلو قدّم المفعول على الفاعل انعكس المعنى » . قال : « فإن قيل ما المانع أن يقال فيها : « ما ضرب إلّا عمرا زيد » ويكون فيه حينئذ تقدّم المفعول على الفاعل ، قلت : لا يستقيم لأنّه لو جوّز تعدّد المستثنى المفرّغ بعد إلّا في قبيلين كقولك : « ما ضرب إلّا زيد عمرا » أي ما ضرب أحد أحدا إلا زيد عمرا كان الحصر فيهما معا ، والغرض الحصر في أحدهما فيرجع الكلام بذلك إلى معنى آخر غير مقصود ، وإن لم يجوّز كانت المسألة الأولى ممتنعة لبقائها بلا فاعل ولا ما يقوم مقام الفاعل لأنّ التقدير حينئذ « ضرب زيد » فيبقى ضرب الأوّل بغير فاعل ، وفي الثانية يكون « عمرو » منصوبا بفعل مقدّر غير « ضرب » الأولى فتصير جملتين ، فلا يكون فيهما تقديم فاعل على مفعول . هذا كلام ابن الحاجب وليس في تصريح بنقل خلاف . ورأيت كلام شخص من العجم يقال له الحديثي « 1 » شرح كلامه ونقل كلامه هذا وقال : لا يخفى عليك أنّ هذا الجواب إنّما يتمّ ببيان أن « زيدا » في قولنا : « ما ضرب إلّا عمرو زيدا » و « عمرا » في قولنا : « ما ضرب إلّا زيد عمرا » يمتنع أن يكونا مفعولين لضرب الملفوظ . ولم يتعرّض المصنّف في هذا الجواب فيكون هذا الجواب غير تامّ . وقال المصنّف في ( أمالي الكافية ) : لا بدّ في المستثنى المفرّغ من تقدير عام فلو استعملوا بعد إلّا شيئين لوجب أن يكون قبلهما عامّان . فإذا قلت : « ما ضرب إلّا زيد عمرا » فإمّا أن تقول لا عامّ لهما أو لهما عامّان أو لأحدهما دون الآخر . الأوّل يخالف الباب ، والثاني يؤدّي إلى أمر خارج عن القياس من غير ثبت ، ولو جاز ذلك في الاثنين جاز فيما فوقهما ، وذلك ظاهر البطلان . والثالث يؤدّي إلى اللّبس فيما قصد ، فلذلك حكموا بأنّ الاستثناء المفرهغ إنّما يكون لواحد . ويؤوّل ما جاء على ما يوهم غير ذلك بأنّه يتعلّق بما دلّ عليه الأوّل ، فإذا قلت : « ما ضرب إلّا زيد عمرا »
--> ( 1 ) هو ركن الدين علي بن الفضل الحديثي ( انظر بروكلمان 5 / 322 ) .