جلال الدين السيوطي
122
الأشباه والنظائر في النحو
منه ، وحاشاك أن تتكلّم به . وقولك : كالحيوان والأبيض ، كأنّك تبعت فيه كلام الشيخ الإمام العلّامة شهاب الدين القرافي فإنّه قال ذلك - رحمه اللّه - وهو في غفلة منه ، أو كلام فيه تسمّح أطلقه لتعليم بعض الفقهاء ممّن لا إحاطة له بالعلوم العقلية ، ولذلك زاد على ذلك ، ومثّل بالزّنا والإحصان لأنّ الفقيه يتكلّم فيهما . وتلك كلّها ألفاظ متباينة ، ومعانيها متباينة ، والتباين أعمّ من التنافي ، فكلّ متنافيين متباينان وليس كلّ متباينين متنافيين . وعجب منك كونك غفلت عن هذا ، وهو عندك في منهاج البيضاوي في الفصيح والناطق ، والنظر في المعقول إنّما هو في المعاني والنسب الأربع من التباين والتساوي والعموم المطلق والعموم من وجه بينهما . والشعر والكتابة متباينان ، والزّنا والإحصان متباينان ، والحيوانيّة والبياض متباينان ، وإن صدقا على ذات ثالثة . فما شرطه البيانيون من عدم التنافي صحيح ، ولم يشرطوا عدم التباين ، وما قاله السّهيلي وأبو حيّان صحيح ولم يشرطا التنافي فلذلك يظهر أنّه يصحّ أن يقال : « قام كاتب والشاعر » وإن كنت لم أر هذا المثال ولا ما يدلّ عليه في كلام أحد ، لأنّ كاتبا لا يصدق على شاعر ، بمعنى أنّ معنى الكتابة ليس في شيء من معنى الشّعر ، بخلاف « رجل وزيد » ؛ فإنّ زيدا رجل والشعر والكتابة في رجل واحد كثوبين يلبسهما واحد أفترى أحد الثوبين يصدق على الآخر ؟ فالفقيه والنحويّ الصّرف يريد أن يتأنّس بهذه الحقائق ومعرفتها . وأمّا قولك : « قام رجل وزيد » فتركيب صحيح ، ومعناه : قام رجل غير زيد وزيد ، واستفدنا التقييد من العطف لما قدّمناه من أنّ العطف يقتضي المغايرة . فهذا المتكلّم أورد كلامه أولا على جهة الاحتمال لأن يكون زيدا وأن يكون غيره ، فلمّا قال : وزيد ، علمنا أنّه أراد بالرّجل غيره . وله مقصود قد يكون صحيحا في إبهام الأول وتعيين الثاني ، ويحصل للثاني به فائدة لا يتوصّل إليها إلّا بذلك التركيب ، أو مثله ، مع حقيقة العطف ، بخلاف قولك : « قام رجل لا زيد » ، لم يحصل به قطّ فائدة ولا مقصود زائد على المغايرة الحاصلة بدون العطف في قولك : « قام رجل غير زيد » وإذا أمكنت الفائدة المقصودة بدون العطف ، يظهر أن يمتنع العطف لأنّ مبنى كلام العرب على الإيجاز والاختصار ، وإنّما نعدل إلى الإطناب لمقصود لا يحصل بدونه ، فإذا لم يحصل مقصود به فيظهر امتناعه ، ولا يعدل إلى الجملتين ما قدر على جملة واحدة ، ولا إلى العطف ما قدر عليه بدونه ، فلذلك قلنا بالامتناع ؛ وبهذا يظهر الجواب عن قولك : إن أردت غيره كان عطفا . وقولك : ( ويصير على هذا التقدير مثل « قام رجل لا زيد » في صحّة التركيب ) ،