جلال الدين السيوطي
118
الأشباه والنظائر في النحو
منها : أنّ البيانيّين تكلموا على القصر وجعلوا منه قصر الإفراد ، وشرطوا في قصر الموصوف إفرادا عدم تنافي الوصفين كقولنا : « زيد كاتب لا شاعر » . وقلت : كيف يجتمع هذا مع كلام السّهيلي والشيخ « 1 » . ومنها : أنّ « قام رجل لا زيد » مثل : « قام رجل وزيد » في صحّة التّركيب ، فإن امتنع « قام رجل وزيد » ففي غاية البعد ، لأنّك إن أردت بالرجل الأول « زيدا » كان كعطف الشيء على نفسه تأكيدا ، ولا مانع منه إذا قصد الإطناب . وإن أردت بالرجل غير زيد كان من عطف الشيء على غيره ولا مانع منه ، ويصير على هذا التقدير مثل : « قام رجل لا زيد » في صحّة التركيب وإن كان معنياهما متعاكسين ، بل قد يقال : « قام رجل لا زيد » أولى بالجواز من « قام رجل وزيد » لأنّ « قام رجل وزيد » إن أردت بالرجل فيه زيدا ، كان تأكيدا ، وإن أردت غيره كان فيه إلباس على السامع وإيهام أنّه غيره ، والتأكيد والإلباس منفيان في « قام رجل لا زيد » . وأيّ فرق بين « زيد كاتب لا شاعر » و « قام رجل لا زيد » ، وبين رجل وزيد عموم وخصوص مطلق ، وبين كاتب وشاعر عموم خصوص من وجه ، كالحيوان ، وكالأبيض . وإذا امتنع « جاء رجل لا زيد » كما قالوه ، فهل يمتنع ذلك في العامّ الخاصّ مثل « قام الناس لا زيد » . وكيف يمنع أحد مع تصريح ابن مالك وغيره بصحّة « قام الناس وزيد » ، وإن كان في استدلاله على ذلك بقوله تعالى : مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ [ البقرة : 98 ] الآية ، لأنّ جبريل إمّا معطوف على الجلالة الكريمة ، أو على رسله ، والمراد بالرّسل الأنبياء ، لأنّ الملائكة وإن جعلوا رسلا فقرينة عطفهم على الملائكة تصرف هذا . ولأيّ شيء يمتنع العطف ب « لا » في نحو « ما قام إلّا زيد لا عمرو » ، وهو عطف على موجب ، لأنّ زيدا موجب ، وتعليلهم بأنّه يلزم نفيه مرّتين ضعيف ، لأنّ الإطناب قد يقتضي مثل ذلك ، لا سيّما والنفي الأول عام ، والنفي الثاني خاصّ ، فأسوأ درجاته أن يكون مثل « ما قام الناس ولا زيد » . هذا جملة ما تضمّنه كتابك في ذلك بارك اللّه فيك . والجواب : أمّا الشرط الذي ذكر السّهيلي وأبو حيّان في العطف ب « لا » ، فقد ذكره أيضا أبو الحسن الأبدي في ( شرح الجزوليّة ) فقال : « لا يعطف ب « لا » إلّا بشرط وهو أن يكون الكلام الذي قبلها يتضمن بمفهوم الخطاب نفي الفعل عمّا
--> ( 1 ) يريد أبا حيان لأن السبكي قد قرأ عليه النحو .