جلال الدين السيوطي

116

الأشباه والنظائر في النحو

أمّا إذا أخّرت حرف النّفي ، فإن أخّرته عن المبتدأ الذي هو الموضوع ، وقدّمته على ( وحده ) مع الفعل كقولك : « زيد لم أره وحده » فهو كالحالة المتقدّمة محتمل للمعاني الثلاثة كما سبق ؛ لأنّ النفي يقدّم على الفعل المنفيّ المقيّد بالوحدة ، فقد نفى مركّبا ، فينتفي بانتفاء أحد أجزائه كالحالة السابقة حرفا بحرف ؛ والضابط في ذلك ما ذكرناه . وإن أخّرته عن ( وحده ) كقولك : « زيد وحده لم أره » أو : ( ما رأيته ) ، أو ( لا أراه ) ، فهذا موضع نظر وتأمّل . والراجح عندي فيه : أنّك لم تره وقد رأيت غيره ، لأنّها قضيّة ظاهرها أنها تشبه الموجبة المعدولة ، فقد حكمت بنفي الرّؤية المطلقة - التي لم تقيّد ب ( وحده ) - على زيد المقيّد بالوحدة . هذان الأمران لا شكّ فيهما ، وبهما فارقتا ( لم أره وحده ) لأنّه نفي لرؤية مقيّدة لا لرؤية مطلقة . هذا لا شكّ فيه ؛ ولكنّ النظر في أنّ تقييد زيد ب ( وحده ) ، هل معنى التقييد يرجع إلى معنى زيد في ذاته أو إلى ما حكم به عليه وهو النفي ؟ هذا موضع النظر والظاهر أنّه الثاني ، وهو أنّه يفيد تقييد الحكم وهو النفي ، فيكون نفي الرؤية مقصورا على ( زيد ) فمعنى ( وحده ) في هذه الصيغة أنّ زيدا انفرد بعدم الرؤية المطلقة وأنّ غيره مرئيّ ؛ فقد سرى التقييد من المحكوم عليه إلى المحكوم به . وعليك يا طالب العلم أن تضبط هذه الأمور الثلاثة وتميّز بينها وتعرف تغايرها : أحدها : إطلاق الضّرب المنفيّ كما دلّ عليه الكلام . والثاني : تقييد المحكوم عليه الذي دلّت الصناعة عليه مع المحافظة على إطلاق الضّرب أو الرّؤية أو نحوهما من الأفعال . والثالث : سريان التّقييد من المحكوم عليه إلى الحكم ، وهو النفي الوارد على الضّرب المطلق ؛ فإذا عقلت هذه الثلاثة ، وميّزت بينها ظهر لك ما قلناه . ويحتمل أيضا - وهو عندي غير راجح - أنّك إنّما نفيت الفعل عن المقيّد بالوحدة فيكون حاصلا للمحكوم عليه بدونها ؛ وهو عندي ضعيف . وبذلك تبين ضعف قول الزمخشري ، وأنّه لو قال : معناه ولا يحملون على الأنعام وحدها ، ولكن عليها وعلى الفلك ، سلم من هذا الاعتراض . فإن قلت : ما حمل الزمخشري على تقدير الحصر ؟ قلت : تقدّم المعمول وما يقتضيه واو العطف من الجمع ، فقد حصر الحمل فيهما . ومن ضرورته نفي الحمل على غيرهما ، وغيرهما إما أحدهما بقيد الوحدة لمغايرته لمجموعهما ، وإما خارج