جلال الدين السيوطي

114

الأشباه والنظائر في النحو

وكذا قولنا : « لا إله إلّا اللّه وحده » ، أنّا أفردناه بالوحدانيّة . فانظر كيف تجد المعنى في ذلك كلّه سواء . فإذا قلت : « حمدت اللّه وحده » أو « ذكرت ربّك وحده » فمعناه وتقديره عند سيبويه : موحدا إيّاه بالحمد والذّكر ، على أنّها حال من الفاعل ، والحاء في ( موحدا ) مكسورة ، وعلى رأي ابن طلحة موحدا هو والحاء مفتوحة . وعلى رأي هشام معناه : حمدت اللّه وذكرته على انفراده . فهذه التقادير الصناعية الثلاثة ، والمعنى لا يختلف إلّا اختلافا يسيرا ؛ فإذا جعلناه من ( أوحد ) الرّباعي ، فمعناه ( موحد ) بالمعنيين المتقدّمين ، وإذا جعلناه من ( وحد ) الثلاثي فمعناه : منفردا بذلك ، وعلى الأول الحامد والذاكر أفرده بذلك ، وعلى الثاني : هو انفرد بذلك ، والعامل في الحال حمدت وذكرت ، وصاحب الحال الاسم المنصوب على التعظيم ، أو الضمير الذي في حمدت وذكرت على القولين . وإذا قلت : « الحمد للّه وحده » فالعامل في الحال المستقرّ المحذوف الذي هو الخبر في الحقيقة ، وهو العامل في الجارّ والمجرور ، وصاحب الحال اللّه ، و ( وحده ) حاله . وإن جعلته ظرفا فالمعنى الحمد للّه على انفراده ، فلم يختلف المعنى اختلافا مخلّا بالمقصود . إذا قلنا : « لا إله إلا اللّه وحده » : فإمّا أن نقول : معناه على انفراده إن جعل ظرفا ، أو متفرّدا بالوحدانية ، أو مفردا بها على الاختلاف في تقدير الحال ، وصاحب الحال الضمير في ( كائن ) العائد على اللّه تعالى ، والعامل في الحال كائن . وأما المنطقيّون فقالوا : إنّ ( وحده ) يصير الكلام بها في قوّة كلامين ، فقولنا : « رأيت زيدا » ، أفاد إثبات رؤيته ، ولم يفد شيئا آخر . وقولنا : « رأيت زيدا وحده » ، أفاد إثبات رؤيته ونفي رؤية غيره ، وهو معنى ما قاله النحاة أيضا . وتصير الجملة - بعد أن كانت موجبة - متضمّنة إيجابا وسلبا ، وبذلك حلّوا مغلطة ركبها بعض الخلافيّين وهي : « الماء وحده رافع للحدث ، وكلّ ما هو رافع للحدث رافع للخبث ، فالماء وحده رافع للخبث ، فلا يكون المائع غير الماء رافعا للخبث » . وحلّه أنّ هذا قياس من الشّكل الأوّل ، وشرطه إيجاب صغراه ، وهذه الصّغرى بدخول ( وحده ) فيها لم تصر موجبة ؛ بل موجبة وسالبة ، تقديرها : الماء رافع للحدث ولا شيء من غيره رافع للحدث . وهذا الحلّ صحيح إذا أريد ب ( وحده ) ذلك . وقد يراد ب ( وحده ) أنّه يفيد تجرّده عن المخالط ؛ بمعنى : الماء وحده - بلا خليط يجرّده عن اسم الماء - رافع للحدث . وهذا صحيح ، ولا تخرج الجملة بها عن كونها موجبة ، ولا ينتفع بها