جلال الدين السيوطي
110
الأشباه والنظائر في النحو
فإنه وإن كان لفظه لفظ التعجّب فالمراد به المبالغة في وصف اللّه تعالى بالقدرة ، كقوله : فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا [ مريم : 75 ] جاء بصيغة الأمر ، وإن لم يكن في الحقيقة أمرا » انتهى كلامه . وهو نصّ صريح في المسألة وناطق بالاتّفاق على صحّة إطلاق هذا اللّفظ ، وأنّه غير مستنكر ، ولكنّه مختلف فيه : هل يبقى على حقيقته من التعجّب ، ويحمل ( ما ) على الأوجه الثلاثة ، أو يجعل مجازا عن الإخبار ؟ وأمّا إنكار اللفظ فلم يقل به أحد ، والأصحّ أنّه باق على معناه من التعجّب . وقال الباجي أبو الوليد « 1 » في ( كتاب السّنن ) من تصنيفه ، في باب « أدعية من غير القرآن » فذكر منها : ما أحلمك عمّن عصاك ، وأقربك ممّن دعاك ، وأعطفك على من سألك ، وذكر شعر المغيرة : [ مجزوء الرجز ] سبحانك اللّهمّ ما * أجلّ عندي مثلك انتهى . ورأيت أنا في السّيرة عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه رواية ابن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه « 2 » - وناهيك بهما في جوار ابن الدّغنّة « 3 » قال القاسم : « إنّ أبا بكر - رضي اللّه عنه - لقيه سفيه من سفهاء قريش ، وهو عامد إلى الكعبة ، فحثا عى رأسه ترابا . فمرّ بأبي بكر الوليد بن المغيرة أو العاص بن وائل ، فقال : ألا ترى ما يصنع هذا السّفيه ؟ قال : أنت فعلت ذلك بنفسك . وهو يقول : « أي ربّ ما أحلمك ، أيّ ربّ ما أحلمك ، أي ربّ ما أحلمك » « 4 » انتهى . ولو لم يكن في هذا إلّا كلام القاسم بن محمد لكفى ، فضلا عن روايته عن أبي بكر ، وإن كانت مرسلة . قال الزّمخشري في قوله تعالى : ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [ الرحمن : 27 ] :
--> ( 1 ) سليمان بن خلف بن سعد ، أبو الوليد الباجي الفقيه المتكلّم المفسّر الشاعر . من مصنّفاته : الاستيفاء شرح الموطأ ، والمنتقى مختصر الاستيفاء ، والتعديل والتجريح ، وتفسير القرآن ، والمهذّب في اختصار المدوّنة ، وكتاب فرق الفقهاء ، وكتاب السنن في الرقائق والزهد ، وغيرها . ( ت 494 ه ) . ترجمته في معجم الأدباء ( 3 / 393 ) « دار الكتب العلمية » . ( 2 ) أبوه هو القاسم بن محمد : حفيد أبي بكر الصديق ، ومن سادات التابعين ، وأحد الفقهاء السبعة في المدينة ( ت 107 ه ) . ترجمته في الوافي بالوفيات ( 1 / 418 ) ، وحلية الأولياء ( 2 / 183 ) . ( 3 ) ابن الدّغنّة : أخو بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة ، وهو سيّد الأحابيش ( انظر السيرة النبوية ص 372 ) . ( 4 ) انظر السيرة النبوية ( ص 372 ) .