جلال الدين السيوطي
101
الأشباه والنظائر في النحو
بالحرف . وفي القرآن الكريم أمثلة تبيّن ذلك ، قال اللّه تعالى : عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً [ التحريم : 5 ] ، فأتى بالواو بين الوصفين الأخيرين لأنّ المقصود بالصفات الأولى ذكرها مجتمعة ، والواو قد توهم التنويع فحذفت . وأمّا الأبكار فلا يكنّ ثيّبات ، والثيّبات لا يكنّ أبكارا ، فأتى بالواو لتضادّ النوعين . وقال تعالى : حم . تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ . غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ [ غافر : 1 - 3 ] . فأتى بالواو في الوصفين الأوّلين ، وحذفها في الوصفين الأخيرين ، لأنّ غفران الذّنب وقبول التوبة قد يظنّ أنّهما يجريان مجرى الواحد لتلازمهما ، فمن غفر الذّنب قبل التوبة ، فبيّن اللّه سبحانه وتعالى بعطف أحدهما على الآخر أنّهما مفهومان متغايران ، ووصفان مختلفان يجب أن يعطى كلّ واحد منهما حكمه ، وذلك مع العطف أبين وأوضح . وأمّا « شَدِيدِ الْعِقابِ » ، و « ذِي الطَّوْلِ » فهما كالمتضادّين ؛ فإنّ شدّة العقاب تقتضي اتّصال الضّرر ، والاتصاف بالطول يقتضي اتصال النّفع ، فحذف ليعرف أنّهما مجتمعان في ذاته ، وأنّ ذاته المقدّسة موصوفة بهما على الاجتماع ، فهو في حالة اتّصافه ب « شَدِيدِ الْعِقابِ » ذو الطول ، وفي حالة اتّصافه ب « ذِي الطَّوْلِ » شديد العقاب ، فحسن ترك العطف بهذا المعنى . وفي الآية التي نحن فيها يتّضح معنى العطف وتركه ممّا ذكرناه ؛ لأنّ كلّ صفة ممّا لم تنسق بالواو مغايرة للأخرى . والغرض أنّهما في اجتماعهما كالوصف الواحد لموصوف واحد ، فلم يحتج إلى عطف ، فلمّا ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهما متلازمان أو كالمتلازمين ، مستمدّان من مادة واحدة كغفران الذّنب وقبول التوبة حسن العطف ، ليبيّن أنّ كلّ واحد متعبد به على حدته ، قائم بذاته ، لا يكفي منه ما يحصل في ضمن الآخر ، بل لا بدّ أن يظهر أمره بالمعروف بصريح الأمر ، ونهيه عن المنكر بصريح النهي ، فاحتاج إلى العطف . وأيضا لمّا كان الأمر والنهي ، ضدين ؛ أحدهما طلب الإيجاد والآخر طلب الإعدام كانا كالنوعين المتغايرين في قوله : ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً [ التحريم : 5 ] فحسن العطف بالواو « 1 » . الكلام في قوله تعالى : اسْتَطْعَما أَهْلَها كتب الصلاح الصفدي إلى الشيخ تقي الدين السبكي يسأله عن قوله تعالى : اسْتَطْعَما أَهْلَها [ الكهف : 77 ] « 2 » [ الطويل ]
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 103 ) ، وبدائع الفوائد ( 1 / 192 ) . ( 2 ) انظر كتاب فتاوى السبكي ( 1 / 75 ) .