جلال الدين السيوطي

99

الأشباه والنظائر في النحو

« شبّهوه بقولهم : هذا الحسن الوجه والكثير المال » ، وليس مثله ، لأنّ قولك : « هذا حسن الوجه » ، مضاف إلى معرفة ، ولم يتعرف لأنّ إضافته غير محضة ، فلمّا أردت تعريفه أدخلت عليه الألف واللام فعرّفته بهما ، وإنّما عوّل الكسائيّ في ذلك على السماع ، ولم يكن ليرويّ رحمه اللّه إلّا ما سمع ، ولكن ليس هذا من لغة الفصحاء ولا من يؤخذ بلغته ، وليس كلّ شيء يسمع من الشواذ والنوادر يجعل أصلا يقاس عليه . أخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج قال : سمعت أبا العباس محمد ابن يزيد المبرد يقول : « إذا جعلت النّوادر والشّواذّ غرضك واعتمدت عليها في مقاييسك كثرت زلّاتك » . وأخبرنا أبو إسحاق قال : أخبرني أبو العباس المبرد قال : أخبرني أبو عثمان المازني قال : أخبرني أبو عمر صالح بن إسحاق الجرمي قال : أخبرني أبو زيد الأنصاري أن قوما من العرب يقولون : هذه العشرة الدّراهم والخمسة الأثواب ، فيجمعون بين الألف واللام والإضافة ، قال : وليس هم بالفصحاء ، وقد حكى أيضا الأخفش سعيد بن مسعدة هذه الحكاية عن بعضهم وردّها وقال : ليس بمأخوذ بها . قال أبو عمر الجرمي : فقلت لمن يجيز : « هذه الخمسة الدراهم والعشرة الأثواب » بالخفض : كيف تقول : هذا نصف الدرهم وثلث الدرهم ؟ أتجيز « هذا النّصف الدرهم والثّلث الدرهم » ؟ فقال : لا ، هذا غير جائز ، لا أقول إلّا : « هذا نصف الدرهم وثلث الدرهم » فقلت له : فما الفصل بينهما ؟ فقال : الفصل بينهما أنّ العرب قد تكلمت بذاك ولم تتكلم بهذا ، فقلت له : فهذه رواية أصحابنا عنهم تعارض روايتكم ، وهذا بيت الفرزدق وبيت ذي الرمة ، وبعد فهذا القياس اللازم في تعريف المضاف ، إنّما يعرّف بتعريف المضاف إليه ، فلم يأت بمقنع ، وإذا كان العدد مفسّرا بمنصوب يميّز الجنس فأردت تعريفه أدخلت الألف واللام في أوّله ، ولم تدخلها في المميّز لعلتين : إحداهما : أنّ التمييز لا يجوز تعريفه ، لأنّه واحد دالّ على جنس ، والواحد من الجنس منكور ، والأخرى : لأنّ تعريف المميّز لا يعرف المميّز منه لانقطاعه عنه وانفصاله عنه ، فلا فائدة في تعريفه إذا كان المقصود بالتعريف لا يتعرف به ، فتقول : « ما فعلت لأحد عشر درهما والتسعة عشر ثوبا والخمسون درهما والتسعون ثوبا » ، وكذلك ما أشبهه ، هذا هو القياس وعليه اجتماع جلّة النحويين من البصريين والكوفيين وحذّاق الكتاب ، وقد أجاز بعضهم : « ما فعلت الثلاثة العشر درهما » ، فأدخل الألف واللام في موضعين ، وذلك خطأ لأنّ هذين الاسمين قد جعلا بمنزلة اسم واحد ، وأقبح منه إجازة بعضهم : « ما فعلت الخمسة العشر الدرهم » ، فأدخل الألف واللام في ثلاثة مواضع ، وهذا كلّه فاسد ، وكذلك