جلال الدين السيوطي
88
الأشباه والنظائر في النحو
في الدار وزيد أمامك . قلت : ذلك غير جائز لأنّ خبر المبتدأ إذا كان هو المبتدأ بعينه لم يكن إلّا مرفوعا ، كقولنا : زيد منطلق وعبد اللّه قائم وما أشبه ذلك ، وكذلك إذا قلنا : مررت برجل أبوه قائم ، فالقائم هو الأب في المعنى ، فلا يجوز أن يختلف إعرابهما ، قال : فقد جاء في الشعر الفصيح الذي هو حجّة مثل هذا الذي تنكره ، قال امرؤ القيس : [ الطويل ] « 396 » - فظلّ لنا يوم لذيذ بنعمة * فقل في مقيل نحسه متغيّب تقديره : فقل في مقيل متغيّب نحسه ، ثم قدّم وأخّر كما ترى ، فقلت له : ليس هو على هذا التقدير ، فوقع لي في الوقت خاطر ، قال : فأيّ شيء تقديره ؟ فقلت : تقديره : فقل في مقيل نحسه ، وتمّ الكلام كما تقول : مررت بمضروب أبوه كريم ، والتقدير : مررت برجل مضروب أبوه ، ثم تجعل كريما نعتا للمتروك الذي في النية ، فكأنّه قال : فقل في مقيل نحسه ، يقال : قال نحسه أي سكن ، والنّحس : الدّخان أيضا ، ثم قال : متغيّب بعد أن تمّ الكلام كأنّه قال : متغيب عن النحس . فقال : هذا لعمري وجه على هذا التقدير . قال أبو الحسن : فحدثت أبا العباس المبرد بما جرى فقال : هذا شيء كان خطر لي ، فخالفت النحويين لأنّهم زعموا أنّه ممّا أتى به امرؤ القيس ضرورة ، ثم رأيته بعد ذلك قد أملاه . مجلس سعيد الأخفش مع المازني « 1 » حدثني محمد بن منصور قال : سأل المازني أبا الحسن سعيد بن مسعدة عن قولهم : « زيد أفضل من عمرو وأكرم منه » فقال الأخفش : أفعل في هذا الباب إذا صحبه « من » فإنّما يضاف إلى ما هو بعضه ، فلم يثنّ ولم يجمع ، كما أن البعض كذلك لا يثنّى ولا يجمع ولا يؤنث ، كقولك : بعض أخواتك خرجن وخرجتا وخرج . قال أبو عثمان : إنما معناه : فضله يزيد على فضله وكرمه يزيد على كرمه ، فكان بمعنى المصدر ، فلم يثنّ ولم يجمع ، كما أنّ المصدر كذلك ، وقال الفراء : إنّ أفعل في هذا الجنس يضاف إلى شيء يجمع الفاضل والمفضول ، فاستغني بتثنيته ما أضيف إليه وجمعه وتأنيثه عن تثنيته في ذاته وجمعه ، فصار بمنزلة الفعل الذي إذا تقدّم يستغنى بما بعده عن تثنيته وجمعه .
--> ( 396 ) - الشاهد غير موجود في ديوانه ، وهو له في لسان العرب ( غيب ) . ( 1 ) انظر مجالس العلماء ( ص 322 ) .