جلال الدين السيوطي
246
الأشباه والنظائر في النحو
يا شيخ أترضى لنفسك بهذا الجواب ؟ فأنكرنا ذلك على المجنون ، فنظر بعضنا إلى بعض ، فقال له أبو سعيد : هذا الذي عندنا ، فما عندك ؟ فقال : المعنى يا شيخ : آبا ولم تعقد يد بمثل فعلها بعدهما ، لأنهما فعلا ما لم يفعله أحد ، كما قال الشاعر : [ السريع ] 556 - فتى إذا عدّت تميم معا * ساداتها عدّوه بالخنصر ألبسه اللّه ثياب النّدى * فلم تطل عنه ولم تقصر أي : خلقت له ، وقريب من الأول قوله : [ السريع ] 557 - قومي بنو مذحج من خير الأمم * لا يصعدون قدما على قدم يعني أنّهم يتقدّمون الناس ولا يطؤون على عقب أحد ، وهذان فعلا ما لم يفعله أحد ، فلقد رأيت أبا سعيد وقد احمرّ وجهه واستحيى من أصحابه ، ثم غطّى المجنون رأسه وخرج وهو يقول : يتصدّرون فيغرّون الناس من أنفسهم ، فقال أبو سعيد بعد خروجه : اطلبوه ، فإنّي أظنّه إبليس ، فطلبناه فلم نظفر به . وفيه أيضا : قال « 1 » : وحدّث محمد بن إسحاق النّديم ، قال : لمّا أراد المتوكّل أن يتخذ المؤدّبين لولده جعل ذلك إلى إيتاخ كاتبه أن يتولى ذلك ، فبعث إلى الطّوال والأحمر وابن قادم وأبي عصيدة وغيرهم من أدباء ذلك العصر ، فأحضرهم مجلسه ، وجاء أبو عصيدة فقعد في آخر الناس ، فقال له من قرب منه : لو ارتفعت فقال : بل أجلس حيث انتهى بي المجلس ، فلمّا اجتمعوا قال لهم الكاتب : لو تذاكرتم وقفنا على موضعكم من العلم واخترنا فألقوا بينهم بيت ابن عنقاء الفزاريّ : [ الوافر ] « 558 » - ذريني إنّما خطئي وصوبي * عليّ وإنّ ما أنفقت مال فقالوا : ارتفع مال بإنّما إذ كانت بمعنى الذي ، ثم سكتوا فقال لهم أبو عصيدة من آخر الناس : هذا الإعراب فما المعنى ؟ فأحجم النّاس عن القول ، فقيل : فما المعنى قال : أراد ما لومك إيّاي وإنّ ما أنفقت مال ولم أنفق عرضا ؟ فالمال لا ألام على إنفاقه ، فجاءه خادم صدر المجلس فأخذ بيده حتى تخطّى به إلى أعلاه ، وقال له : ليس هذا موضعك ، فقال : لأن أكون في مجلس أرفع منه إلا أعلاه أحبّ إليّ من أن أكون في مجلس أحطّ عنه ، فاختبر هو وابن قادم . وفيه أيضا « 2 » :
--> ( 1 ) انظر معجم الأدباء ( 1 / 466 ) ، ومجلس العلماء ( ص 61 ) ، والدرر ( 2 / 69 ) . ( 558 ) - الشاهد لأوس بن غلفاء في إنباه الرواة ( 1 / 120 ) ، وخزانة الأدب ( 8 / 313 ) ، والدرر ( 5 / 56 ) ، والشعر والشعراء ( 2 / 640 ) ، ولسان العرب ( صوب ) ، والمقاصد النحوية ( 4 / 249 ) ، ونوادر أبي زيد ( ص 46 ) ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ( ص 351 ) . ( 2 ) انظر معجم الأدباء ( 2 / 98 ) .