جلال الدين السيوطي
228
الأشباه والنظائر في النحو
كان يعارضه ، فإذا لم يكن في الكلام ما يقتضي النصب من فعل أو شبهه لم يجز النصب ، ومن هنا كان خطأ قول الكوفيين في « ما زيد قائما » : إنّ ما النافية لم ترفع الاسم ولم تنصب الخبر ، بل ارتفاع زيد على أنه مبتدأ ونصب « قائما » على إسقاط الباء ، وهذان الوجهان لو صحّا لاقتضيا أن لا يجوز الإعراب في اللغة البيان ، ولكن نجيزه على التعليق بأعني مضمرة معترضة بين المبتدأ والخبر ، والفصل بالجملة الاعتراضية جائز اتفاقا ، فإن قلت : هلّا قدّرت الجارّ المحذوف أو المذكور متعلقا بالخبر المؤخر عنه فإنّ فيه معنى الفعل ، قلت : لفساده معنى وصناعة ، أمّا معنى فلأنّه يصير المعنى : الإعراب البيان الحاصل في اللغة لا البيان الحاصل في غير اللغة ، وليس المراد هذا ، وأما صناعة فلأنّ البيان ونحوه مصادر ، ولا يتقدم على المصدر معموله ولو كان ظرفا ، ولهذا قالوا في قول الحماسي : [ الهزج ] « 545 » - وبعض الحلم عند الجه * ل للذّلة إذعان إنّ اللام متعلقة بإذعان محذوف يدل عليه الإذعان المذكور ، وليست متعلقة بالإذعان المذكور ، فإذا امتنعوا من ذلك حيث لم يظهر تأثير المصدر للنصب ولم يتجوزوا في الجار بالحذف فهم عن تجويز التقديم عند وجود هذين أبعد ، فإن قلت : هب أنّ هذا امتنع حيث الخبر مصدر ، لكنّه لا يمنع حيث هو وصف كقوله : الدليل لغة المرشد ، قلت بل يمتنع لأنّ اسم الفاعل صلة الألف واللام ، أي : الدليل الذي يرشد ، ولا يتقدم معمول الصلة على الموصول ولو كان ظرفا ، ولهذا يؤول قول اللّه سبحانه وتعالى : وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ [ يوسف : 20 ] ، إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [ الأعراف : 21 ] ، إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ [ الشعراء : 168 ] ولو قدّرنا « ال » في ذلك لمحض التعريف ، كما يقول الأخفش ، لم نخلص من الإشكال الثاني وهو فساد المعنى ، إذ المعنى حينئذ : الدليل الذي يرشد في اللغة لا الذي يرشد في غير اللغة ، وأيضا فإذا امتنع التعليق بالخبر حيث يكون الخبر مصدرا امتنع في الباقي لأنّ هذه الأمثلة باب واحد ، فإن قلت : قدّر التعليق بمضاف محذوف ، أي : تفسير الإعراب في اللغة البيان ، كما قالوا : أنت مني فرسخان على تقدير : بعدك مني فرسخان ، وقدر في مثلها في قولهم : الاسم ما دلّ على معنى في نفسه ، أي : ما دلّ
--> ( 545 ) - الشاهد للفند الزماني ( شهل بن شيبان ) في أمالي القالي ( 1 / 260 ) ، وحماسة البحتري ( ص 56 ) ، وخزانة الأدب ( 3 / 431 ) ، والدرر ( 5 / 250 ) ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ( ص 38 ) ، وشرح شواهد المغني ( 2 / 944 ) ، والمقاصد النحوية ( 3 / 122 ) ، وبلا نسبة في شرح الأشموني ( 2 / 338 ) ، وهمع الهوامع ( 2 / 93 ) .