جلال الدين السيوطي

202

الأشباه والنظائر في النحو

بناء جمعه على غير بناء واحده المستعمل ، وذلك باطل وأباطيل وحديث وأحاديث وعروض وأعاريض » ولم يختلف أحد من العلماء في أنّ أعاريض وأحاديث واحدها : عروض وحديث من جهة الاستعمال ، كما أنّ قولهم : ليال جمع ليلة من جهة الاستعمال ، وإن كان في التقدير كأنّه جمع ليلاء ، ولو قلت : إنّ العرب قد تأتي بجموع لم تنطق بواحدها الذي يجب من جهة القياس لكنت قد سلمت في قولك من الوهم والإلباس ، ثم أسألك أولا : ما معنى قولك في صدر مسألتك : « فأوّل ذلك أن تعلم أن نهوشا واحد قد جمع على نهاوش » ؟ فإنّه كلام لم يستعمله من أهل الجهل والغباوة إلّا من ختم اللّه على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة . المسألة الثالثة : قال أبو نزار : روى سيبويه في كتابه عن العرب أنّهم قالوا : ليس الطّيب إلّا المسك « 1 » ، برفع المسك ، والقياس نصبه لأنه خبر ليس ، و « ليس » لا يبطل عملها بنقض النفي ، إلّا أن سيبويه والسيرافي تخبّطا في هذا وما أتيا بطائل ، فأوّل ذلك أن سيبويه قال : لغة في ليس ، إنها لا تعمل وإنّها مثل ما في لغة بني تميم ، وهذا لا يعرف ، فقد أخطأ سيبويه ، ثم قال السيرافي : « والصحيح أنّ اسمها الشأن والحديث في موضع رفع ، والطيب مبتدأ والمسك خبره » ، وقيل له : هذا باطل ، فإنّ إلّا الناقضة خبر ، إذ قد جاءت بين المبتدأ والخبر في الجملة الإثباتية ، واعتذر السيرافي بأن قال : « إلا أنّها على الجملة قد تقدّمها نفي » ، وهذا كله متهافت ، والذي صحّ أنّ قولهم : ليس الطيب ، ليس واسمها وإلّا ناقضة للنفي والمسك مبتدأ وخبره محذوف وتقديره : ليس الطّيب إلّا المسك أفخره ، والجملة من المبتدأ والخبر في موضع النصب لأنّها خبر ليس وفيه وجه آخر وهو أن تكون إلّا بمعنى غير ، وذلك وجه في إلّا معروف ، والتقدير : ليس الطيب غير المسك مفضلا أو مرغوبا فيه ، أو ما شابه ذلك فاعرفه . فصل في الردّ عليه : أيّها المتعالي المتعالم والمتعاطي المتعاظم قد نسبت سيبويه والسيرافي إلى أنّهما تخبّطا في هذه المسألة ولم يأتيا بطائل ، وقلت حكاية عنهما ، فأوّل ذلك أنّ سيبويه قال لغة في ( ليس ) : إنّها لا تعمل ، وإنّها مثل ما في لغة بني تميم ، وهذا لا يعرف ، وكان تخبّطك فيما عنه نقلته وإليه نسبته بما أسقطته من كلامه وزدته ، وهو عين التخبّط الحقيقي ، والذي ذكره سيبويه على فصّه ومنقولا عن نصه هو : « وقد زعم بعضهم أنّ ( ليس ) تجعل كما وذلك قليل لا يكاد يعرف ، فهذا يجوز أن يكون منه : ليس خلق اللّه أشعر منه ، وليس قالها زيد ، وقول حميد الأرقط : [ البسيط ]

--> ( 1 ) انظر الكتاب ( 1 / 201 ) .