جلال الدين السيوطي

154

الأشباه والنظائر في النحو

مخبر بها عن المؤنث وهو الرحمة ، مع أنّ الخبر الذي هذا شأنه يجب فيه التأنيث ؟ تقول : هند كريمة ، ولا تقول : كريم ولا ظريف ، وإنما بيّنت كيفية السؤال لأنني وقفت على عبارة شنيعة لبعض المفسرين في تقرير السؤال أنكرتها ، اللهمّ ألهمنا الأدب مع كلامك ولا تردّنا على أعقابنا بأهوائنا وحسن السؤال نصف العلم ، وقد أجاب العلماء رحمهم اللّه تعالى بأوجه جمعتها ، فوقفت منها على أربعة عشر وجها منها قويّ وضعيف ، وكلّ مأخوذ من قوله ومتروك ، ونحن نسرد ذلك بحول اللّه وقوته متتبعين له بالتصحيح والإبطال بحسب ما يظهره اللّه تعالى ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل . الوجه الأول : أنّ الرحمة في تقدير الزيادة ، والعرب قد تزيد المضاف ، قال اللّه سبحانه : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [ الأعلى : 1 ] أي : سبّح ربّك ، ألا ترى أنه لا يقال في التسبيح : سبحان اسم ربي ، إنّما يقال : سبحان ربي ؟ والتقدير : إنّ اللّه قريب ، فالإخبار في الحقيقة إنّما هو عن الاسم الأعظم ، إنّ اللّه قريب من المحسنين . قلت : وهذا الوجه لا يصح عند علماء البصرة ، لأن الأسماء لا تزاد في رأيهم ، إنّما تزاد الحروف ، وأمّا سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فلا يدلّ على ما قالوه ، لاحتمال أن يكون المعنى : نزّه أسماءه عمّا لا يليق بها ، فلا تجر عليه اسما لا يليق بكماله ، أو لا تجر عليه اسما غير مأذون فيه شرعا ، وهذا هو أحد التفسيرين في الآية الكريمة ، وإذا أمكن الحمل على محمل صحيح لا زيادة فيه وجب الإذعان له لأنّ الأصل عدم الزيادة . الثاني : أنّ ذلك على حذف مضاف ، أي : إن مكان رحمة اللّه قريب ، فالإخبار إنّما هو عن المكان ، ونظيره قوله صلّى اللّه عليه وسلّم مشيرا إلى الذهب والفضة : « إنّ هذين حرام » فأخبر عن المثنّى بالمفرد ، لأنّ حقيقة الكلام وأصله : إنّ استعمال هذين حرام ، وكذلك قول حسان بن ثابت « 1 » : [ الكامل ] يسقون من ورد البريص عليهم * بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل أي : ماء بردى ، فلهذا قال « يصفق » بالتذكير ، مع أنّ بردى مؤنث ، انتهى . وهذا المضاف الذي قدّره في غاية البعد ، والأصل عدم الحذف ، والمعنى مع ترك هذا المضاف أحسن منه مع وجوده . الثالث : أنّه على حذف الموصوف ، أي : إنّ رحمة اللّه شيء قريب ، كما قال الشاعر « 2 » : [ السريع ]

--> ( 1 ) مرّ الشاهد رقم ( 449 ) . ( 2 ) مرّ الشاهد رقم ( 427 ) .