جلال الدين السيوطي
149
الأشباه والنظائر في النحو
وليست للفاعل ، وأمّا الأقوال الستة التي ذكرها فإني أشير إلى ما يرد على كل واحد منها إشارة لطيفة : أمّا قوله : « قريب » بمعنى فاعل أجري مجرى فعيل بمعنى مفعول كما أجري ذلك مجرى هذا في لحاق التّاء فلا شكّ أنّه من قول النحاة ، لكن ما الدليل عليه ؟ فإنّه مجرد دعوى ، ويرد عليه أنّ أحد الفعلين مشتق من فعل لازم والآخر من فعل متعدّ ، فلو أجري على أحدهما حكم الآخر لبطل الفرق بين اللازم والمتعدي ، إن كان على وجه العموم ، وإن كان على وجه الخصوص فأين الدليل عليه ؟ والحقّ أنّ كلّا من الفعلين يطلق على المذكر بلا تاء ولا خلاف فيه ، وعلى المؤنث تارة مع التاء وأخرى بلا تاء أصالة ، كما ورد في أشعار الفصحاء ، لا على سبيل التبعية ولا على وجه الشذوذ والندرة ، وتشبيه أحدهما بالآخر كما زعموا لأنّ الأصل في الكلام الحقيقة وقد كثر شواهد ذلك ، قال جرير يرثي خالدة : [ الكامل ] « 455 » - نعم القرين وكنت علق مضنّة * وأرى بنعف بليّة الأحجار وقال : [ الكامل ] « 456 » - فسقاك حين حللت غير فقيدة * هزج الرّواح وديمة لا تقلع وقال الفرزدق : [ الطويل ] « 457 » - فداويته عامين وهي قريبة * أراها وتدنو لي مرارا وأرشف وامرأة قبين وسريح وهريت ، وفروك وهلوك ورشوف وأتوف ورصوف « 1 » وامرأة ملولة وفروقة وامرأة عروب « 2 » وسحابة دلوج « 3 » ، ولا استغراب في إطلاق رميم على العظام مع أنها جمع تكسير مؤنث فهو على وفاق كلام فصحاء العرب ، قال جرير مع فصاحته ولم ينكر عليه : [ البسيط ] « 458 » - آل المهلّب جذّ اللّه دابرهم * أمسوا رميما فلا أصل ولا طرف
--> ( 455 ) - الشاهد لجرير في ديوانه ( ص 862 ) . ( 456 ) - الشاهد لجرير في ديوانه ( ص 911 ) . ( 457 ) - الشاهد للفرزدق في ديوانه ( 2 / 25 ) ، وجمهرة أشعار العرب ( ص 879 ) . ( 1 ) القبين : المنكمش في أموره . والسريح : السهل . والهريت : الواسع الشدقين . والفروك : المبغضة لزوجها . والهلوك : الفاجرة الشبقة . والرشوف : الطيّبة الفم . والأنوف : الطيّبة ريح الأنف . والرصوف : الصغيرة الفرج . ( 2 ) الفروقة : الشديدة الخوف . والعروب : الضاحكة . ( 3 ) السحابة الدلوج : الثقيلة بحملها . ( 458 ) - الشاهد لجرير في ديوانه ( ص 176 ) ، ولسان العرب ( ملح ) ، ومجمع الأمثال ( 1 / 176 ) .