جلال الدين السيوطي

146

الأشباه والنظائر في النحو

السادس : أن يكون من باب الاستغناء بأحد المذكورين لكون الآخر تبعا له أو معنى من معانيه ، ومنه في أحد الوجوه قوله تعالى : فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ [ الشعراء : 4 ] أي : فظلت أعناقهم خاضعة ، وظلّوا لها خاضعين ، فهذا منتهى ما حضرني . وبلغني أنّ بعض الفقهاء زعم أنّ إخلاء « قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ » المشار إليه من التاء لم يكن إلّا لأجل أنّ فعيلا يجري مجرى فعول في الوقوع على المذكر والمؤنث بلفظ واحد ، وضعف هذا القول بيّن وتزييفه هيّن ، وذلك أنّ قائل هذا القول إمّا أن يريد أنّ فعيلا في هذا الموضع وغيره يستحقّ ما يستحقّه فعول من الجري على المذكر والمؤنث بلفظ واحد ، وإمّا أن يريد أنّ فعيلا في هذا الموضع خاصة محمول على فعول . فالأول : مردود لإجماع أهل العربية على التزام التاء في ظريفة وشريفة وأشباههما ، ولذلك احتاج علماؤهم إلى أن يقولوا في قوله تعالى : وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا [ مريم : 20 ] : إن أصله بغوي على فعول ، فلذلك لم تلحقه التاء . والثاني : أيضا مردود لأنه قد تقدّم التنبيه على ما لفعيل على فعول من المزايا ، ولأنه لا يليق أن تبعا لفعول ، بل الأولى أن يكون أمرهما بالعكس ، ولأنّ ذلك القائل حمل فعيلا على فعول ، وهما مختلفان لفظا ومعنى ، أمّا اللفظ فظاهر ، وأمّا المعنى فلأنّ قريبا لا مبالغة فيه لأنه يوصف به كلّ ذي قرب وإن قلّ ، وفعول المشار إليه لا بدّ فيه من مبالغة ، وأيضا فإنّ الدّالّ على المبالغة لا بدّ أن يكون له بنية لا مبالغة فيها ، ثم يقصد به المبالغة فتغيّر بنيته كضارب وضروب وعالم وعليم ، وقريب ليس كذلك فلا مبالغة فيه ، والظاهر أنّ ذلك القائل إنّما أراد حمل فعيل على فعول مطلقا واستدل على ذلك بقول الشاعر : [ المتقارب ] « 453 » - فتور القيام قطيع الكلا * م تفترّ عن ذي غروب خصر والاحتجاج بهذا ساقط من وجوه : أحدها : أنه نادر والنادر لا حكم له ، ولو كثرت صوره وجاء على الأصل كاستحوذ واعورّ واستنوق البعير ، فما ندر ولم تكثر صوره ولا جاء على الأصل أحق . الثاني : أن يكون قطيع الكلام أصله قطيعة الكلام ثم حذفت التاء للإضافة ، فإنها مسوّغة لحذفها عند الفراء وغيره من العلماء ، وحمل على ذلك قوله تعالى : وَإِقامَ الصَّلاةِ [ الأنبياء : 73 ] ومثل ذلك قوله : [ البسيط ]

--> ( 453 ) - الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ( ص 157 ) .