جلال الدين السيوطي

115

الأشباه والنظائر في النحو

وأمّا قوله : إنّ الألف واللام هنا ليست للتعريف ، لأنّ التعريف لا يكون إلّا بين اثنين في ثالث ، والألف واللام هنا في اسم المخاطب ، والصحيح أنّها دخلت بدلا من يا فقول فاسد ، بل الألف واللام هنا لتعريف الحضرة ، كالتعريف في قولك : « جاء هذا الرجل » ولكنّها لمّا دخلت على اسم المخاطب صار الحكم للخطاب من حيث كان قولنا : « يا أيّها الرجل » معناه : يا رجل ، ولمّا كان الرجل هو المخاطب في المعنى غلب حكم الخطاب ، فاكتفي باثنين لأنّ أسماء الخطاب لا يفتقر في تعريفها إلى حضور ثالث ، ألا ترى أنّ قولك : « خرجت يا هذا » و « وانطلقت » و « لقيتك » ، و « وأكرمتك » لا حاجة به إلى ثالث ؟ وليس كل وجوه التعريف تقتضي أن يكون بين اثنين في ثالث ، ألا ترى أنّ ضمائر المتكلمين نحو : « أنا خرجت » و « نحن ننطلق » لا يوجب في تعريفها حضور ثالث ؟ فقد وضح لك بهذا أنّ قوله : « التعريف لا يكون إلّا بين اثنين في ثالث » كلام ظاهر الفساد ، لأنّه أطلق هذا اللفظ على جميع التعاريف ، فتأمل سدّدك اللّه الفقرة التي عمي عنها هذا الغبيّ ، عمّا صدرت به حتى خطّأ بجهله الأئمّة المبرزين في علم العربية المتقدمين منهم والمتأخرين ، ومن شواهد إعراب الرجل في قولنا : « يا أيّها الرجل » نعته بالمضاف المرفوع في قولك : « يا أيّها الرجل ذو المال » ، وعلى ذلك أنشدوا : [ الرجز ] « 423 » - يا أيّها الجاهل ذو التّنزّي فهذا دليل على إعراب « الرجل » قاطع ، لأنّ الصفة المضافة في باب النداء لا يجوز حملها على لفظ المبني ، ولا تكون إلّا منصوبة أبدا ، كقولك : « يا زيد ذا المال » ، وقد عارضته بهذا الدليل الجليّ الذي تناصرت به الروايات عن النحوي واللغوي ، فزعم أنّه لا يرفع هذه الصفة ، ولا ينشد إلّا « ذا التّنزّي » ، ولا يعتدّ بإجماع النحويين واللغويين على سماع الرفع فيها عن العرب ، فدلّ ذلك على أنّ هذا العديم الحسّ هو المقصود بالنداء في قول القائل : « يا أيّها الجاهل ذو التّنزّي » . وأمّا قوله : « ولمّا قصدوا تأكيد التنبيه وقدّروا تكرير حرف النداء كرهوا التكرير ، فعوّضوا عن حرف النداء ثانيا ها وثالثا الألف واللام » فهذا من دعاويه الباطلة ، لأنّه زاعم أنّ أصل « يا أيّها الرجل » : يا أيّ يا يا رجل ، فعوّضوا من يا الثانية ها ومن الثالثة الألف واللام ، وليس الأمر على ما قاله وابتدعه من هذا المحال ، ولكن

--> ( 423 ) - الرجز لرؤبة في ديوانه ( ص 63 ) ، وشرح أبيات سيبويه ( 1 / 471 ) ، والكتاب ( 2 / 193 ) ، وشرح المفصّل ( 6 / 138 ) ، والمقاصد النحوية ( 4 / 219 ) ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ( ص 825 ) ، والمقتضب ( 4 / 218 ) .