جلال الدين السيوطي

89

الأشباه والنظائر في النحو

يدخلها حروف المعاني أولا ووسطا ، فما دخلها أولا كقولك : الرجل والغلام ، وما دخلها وسطا ياء التصغير في قولك : فريخ وفليسن . ولو كان الأمر على ما ذهب إليه قائل هذا القول لوجب أن لا يدخل على اسم حرف معنى إلا بعد كمال بنائه . قال : والقول عندي فيه هو الذي عليه جملة النحويين أن الاسم يبنى على أبنية مختلفة منها : « فعل وفعل وفعل وفعل » وما أشبه ذلك من الأبنية ، فلو جعل الإعراب وسطا ، لم يدر السامع أحركة إعراب أم حركة بناء ، فجعل الإعراب في آخر الاسم ، لأن الوقف يدرك فيسكن فيعلم أنه إعراب ، فإذا كان وسطا لم يمكن ذلك فيه . وقال أبو إسحاق الزجاج : كان أبو العباس المبرد يقول : لم يجعل الإعراب أولا لأن الأول تلزمه الحركة ضرورة للابتداء لأنه لا يبتدأ إلا بمتحرك ولا يوقف إلا على ساكن ، فلما كانت الحركة تلزمه لم تدخل عليه حركة الإعراب ، لأن حركتين لا تجتمعان في حرف واحد ، فلما فات وقوعه أولا لم يمكن أن تجعل وسطا ، لأن أوساط الأسماء مختلفة لأنها تكون ثلاثية ورباعية وخماسية وسداسية وسباعية وأوساطها مختلفة ، فلما فات ذلك جعل آخرا بعد كمال الاسم ببنائه وحركاته . وقال آخرون : الإعراب إنما دخل في الكلام دليلا على المعاني ، فوجب أن يكون تابعا للأسماء ، لأنه قد قام الدليل على أنه ثان بعدها ، وهذا القول قريب من الأول ، وكل من هذه الأقوال مقنع في معناه . إعطاء الأعيان حكم المصادر وإعطاء المصادر حكم الأعيان قال ابن الشجري في أماليه « 1 » : من مذاهب العرب للمبالغة إعطاء الأعيان حكم المصادر وإعطاء المصادر حكم الأعيان . فمن ذلك قولهم : أخطب ما يكون الأمير قائما ، ( فأخطب ) إنما هو للأمير ، وقد أضافوه إلى ( ما ) المصدرية ، ولفظة أفعل التي وضعوها للمفاضلة مهما أضيفت إليه صارت بعضه ، ولما أضافوا ( أخطب ) إلى ( ما ) وهي موصولة ب ( يكون ) صار ( أخطب ) كونا ، فالتقدير : أخطب كون الأمير ، فهذا وصف للمصدر بما يوصف به العين ، والمعنى راجع إلى الأمير ، فلذلك سدّت الحال مسدّ خبر هذا المبتدأ ، إذ الحال لا تسدّ مسدّ خبر المبتدأ إلا إذا كان المبتدأ اسم حدث كقولك : ضربي زيدا جالسا ، ولا تسدّ مسدّ خبر المبتدأ إذا كان اسم عين .

--> ( 1 ) الأمالي لابن الشجري ( 1 / 69 ) .