جلال الدين السيوطي
297
الأشباه والنظائر في النحو
أي : رب رسم دار ، وكان رؤبة إذا قيل له كيف أصبحت ؟ فيقول : خير عافاك اللّه ، أي بخير ويحذف الباء لدلالة الحال عليها لجري العادة والعرف بها . وكذلك قولهم : الذي ضربت زيد ، تريد الهاء وتحذفها لأن في الموضع دليلا عليها ، وعلى نحو من هذا تتوجه عندنا قراءة حمزة : وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ [ النساء : 1 ] ليست هذه القراءة عندنا من الإبعاد والضعف على ما رآه فيها أبو العباس ، بل الأمر فيها أقرب وأخف وألطف ، وذلك أن لحمزة أن يقول لأبي العباس : لم أحمل ( الأرحام ) على العطف على المجرور المضمر ، بل اعتقدت أن يكون فيه باء ثانية حتى كأني قلت : وبالأرحام ، ثم حذفت الباء لتقدم ذكرها ، كما حذفت لتقدم ذكرها أيضا في نحو قولك : بمن تمرر أمرر ، وعلى من تنزل أنزل ، وإذا جاز للفرزدق أن يحذف حرف الجر لدلالة ما قبله عليه مع مخالفته في الحكم له في قوله : [ الطويل ] « 209 » - وإنّي من قوم بهم يتّقى العدا * ورأب الثّأى والجانب المتخوّف أي : وبهم رأب الثأى ، فحذف الباء في هذا الموضع لتقدمها في قوله : ( بهم يتّقى العدا ) وإن كانت حالاهما مختلفتين ، ألا ترى أن الباء في قوله : بهم يتقى العدا ، منصوبة الموضع لتعلقها بالفعل الظاهر الذي هو يتقى كقوله : بالسيف يضرب زيد ، والباء في قوله : وبهم رأب الثأى مرفوعة الموضع عند قوم ، وعلى كل حال فهي متعلقة بمحذوف ورافعة للرأب - ونظائر هذا كثيرة - كان حذف الباء في قوله : ( والأرحام ) لمشابهتها الباء في ( به ) موضعا وحكما أجدر . وقد أجازوا : تبا له وويل ، على تقدير : وويل له ، فحذفوها وإن كانت اللام في : تبا له ، لا ضمير فيها وهي متعلقة بنفس ( تبا ) ، مثلها في هلم لك ، وكانت اللام في ( وويل ) خبرا ، ومتعلقة بمحذوف وفيها ضمير . فإن قلت : فإذا كان المحذوف للدلالة عليه عندك بمنزلة الظاهر فهل تجيز توكيد الهاء المحذوفة في نحو قولك : الذي ضربت زيد ، فتقول : الذي ضربت نفسه زيد ، كما تقول : الذي ضربته نفسه زيد ؟ قيل : هذا عندنا غير جائز وليس ذلك لأن المحذوف هنا ليس بمنزلة المثبت ، بل لأمر آخر ، وهو أن الحذف هنا إنما الغرض فيه التخفيف لطول الاسم ، فلو ذهبت تؤكده لنقضت الغرض ، وذلك أن التوكيد
--> ( 209 ) - الشاهد للفرزدق في ديوانه ( 2 / 29 ) ، وجمهرة أشعار العرب ( 887 ) ، ولسان العرب ( رأب ) ، وبلا نسبة في الخصائص ( 1 / 286 ) .