جلال الدين السيوطي
107
الأشباه والنظائر في النحو
الحال وإلا لكان مجازا محضا لا تضمينا ، وكذا قوله : يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [ البقرة : 3 ] تقديره : معترفين بالغيب ، انتهى . وقال « 1 » ابن يعيش : الظرف منتصب على تقدير ( في ) وليس متضمنا معناها حتى يجب بناؤه لذلك كما وجب بناء نحو : ( من ) ( وكم ) في الاستفهام وإنما ( في ) محذوفة من اللفظ لضرب من التخفيف فهي في حكم المنطوق به ، ألا ترى أنه يجوز ظهور ( في ) معه نحو : قمت اليوم وقمت في اليوم ، ولا يجوز ظهور الهمزة مع ( من ) و ( كم ) في الاستفهام فلا يقال : أمن ولا أكم ، وذلك من قبل أنّ ( من ) و ( كم ) لمّا تضمّنا معنى الهمزة ، صارا كالمشتملين عليها . فظهور الهمزة حينئذ كالتكرار ، وليس كذلك الظرف ، فإن الظرفية مفهومة من تقدير ( في ) ولذلك يصحّ ظهورها ، فاعرف الفرق بين المتضمّن للحرف وغير المتضمن مما ذكرته ، انتهى . وقال ابن إياز : معنى تضمّن الاسم معنى الحرف معه أن يؤدي ما يؤديه الحرف من المعنى ويصاغ عليه صياغة لا يظهر ذلك الحرف معه ، قال ابن النحاس في ( التعليقة ) : الفرق بين المتضمن معنى الحرف وغير المتضمن ، أن المتضمن معنى الحرف لا يجوز إظهار الحرف معه في ذلك المكان ، وغير المتضمن يجوز إظهار الحرف معه في ذلك المكان ، كما إذا قلنا في الظرف إنه يراد فيه معنى ( في ) فإنّا لا نريد به أن الظرف متضمّن معنى ( في ) ، كيف ولو كان كذلك لبني ؟ وإنما نعني به أن قوة الكلام قوة كلام آخر فيه في ظاهره ، وكذلك يجوز إظهار ( في ) مع الظرف ، فتقول في : خرجت يوم الجمعة ، خرجت في يوم الجمعة ، ولا تقول في أين وكيف مثلا : هل أين ولا هل كيف ولا أكيف . وقال ابن جنّي في ( الخصائص ) « 2 » : اعلم أن الفعل إذا كان بمعنى فعل آخر وكان أحدهما يتعدّى بحرف والآخر بآخر ، فإن العرب قد تتسع فتوقع أحد الحرفين موقع صاحبه ، إيذانا بأن هذا الفعل في معنى ذلك الآخر ، فلذلك جيء معه بالحرف المعتاد مع ما هو في معناه ، وذلك كقوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ [ البقرة : 187 ] وأنت لا تقول : رفثت إلى المرأة ، وإنما تقول : رفثت بها أو معها ، لكنه لما كان الرفث هنا في معنى الإفضاء ، وكنت تعدّي أفضيت بإلى كقولك : أفضيت إلى المرأة ، جئت بإلى مع الرفث إيذانا وإشعارا أنه بمعناه ، كما
--> ( 1 ) انظر شرح المفصّل ( 2 / 41 ) . ( 2 ) انظر الخصائص ( 2 / 308 ) .