عبد الرحمن جامي

314

شرح ملا جامي على متن الكافية في النحو ( الفوائد الضيائية )

عن هذا : بعد نفسك مما يؤذيك « 1 » ، فالأسد ونحوه ، ويقدر مثل : ( اتّق ) في بعضها كالمثال المذكور « 2 » . قيل : لفظ ( الأسد ) في ( إيّاك والأسد ) خارج « 3 » عن النوعين فينبغي أن لا يكون تحذيرا ، وليس كذلك « 4 » ، فإنه أيضا تحذير ، وأجيب بأنه تابع للتحذير ، والتوابع خارجة عن المحدود « 5 » ، بدليل ذكرها فيما بعد . ( وتقول ) « 6 » في قسمي النوع الأول ( إيّاك من الأسد ) كما كنت تقول ( إيّاك والأسد ) ( و ( من أن تحذف ) كما كنت تقول : ( إيّاك وأن تحذف ) .

--> ( 1 ) وفيه بحث مشهور ، وهو أنه إذا كان معنى نفسك نفسك : بعّد نفسك مما يؤذيك لم يكن نفسك نفسك من النوع الثاني ومحذرا منه بل محذرا ، فأجاب عنه بعض المحققين بما حاصله : أنّ المراد التحذير من النفس بتبعيدها عن الرذائل التي تؤذيك ؛ فإنّك إذا لم تبعد من الرذائل يصيبك منها المحن والشدائد ، فالنفس محذر منه لا محذر ، ويمكن أن يقال في الجواب : يجوز أن يكون ما في مما يؤذيك مصدرية . ومن للتعليل والأجل ، والمعنى : بعد نفسك من أجل إيذاء النفس إياك كإيذاء الأسد ، وحينئذ يكون النفس أيضا محذرا منه ( عصمة اللّه ) . ( 2 ) لأنّه في معنى : اتق الطريق ، أي : اتق عن الأشياء المؤذية التي يكون في الطريق واحدة أو متعددة ، فيكون من قبيل ذكر المحل وإرادة الحال ( توقادي ) . ( 3 ) لأنّه إن فرض دخوله في النوع الأول ليس محذرا بل محذرا منه ، وإن فرض دخوله في النوع الثاني ليس مكررا فحينئذ على أي : تقدير يكون خارجا من المحدود ( رضا ) . ( 4 ) بل يكون تحذيرا لأنّه يصدق أنه معمول بتقدير : اتق تحذيرا مما بعده ؛ بأن يكون المراد من قول مما بعده أعمّ من أن يكون لفظا أو تقديرا ، فحينئذ يكون الأسد تحذيرا مما بعده تقديرا ، وعلى هذا التقدير يكون معناه : اتق إياك عن الأسد ، والأسد من الصياد ، تأمل هذا الاحتمال إذا لم يقل مع من ، وإذا قال مع من لا يكون الأسد إلا محذرا منه تأمل . ( 5 ) وفيه نظر ؛ لأن كونه تابعا لا يخرجه عن التحذير ، كما أنّ ( عمرو ) في جاءني زيد وعمرو لا يخرج عن الفاعلية بكونه تابعا . ( 6 ) يعني : يستعمل التحذير على وجهين : أحدهما : بحرف الجر ، وحرف الجر قد يذكر لفظا داخلا على اسم ، نحو : إياك من الأسد . وقد يكون داخلا على أن مع ما في حيزه ، نحو : إياك من أن تخذف ، والثاني : أن يذكر بحرف العطف إما داخلا على الاسم ، نحو : إياك والأسد ، أو على أنّ مع حيزه ، نحو : إياك وأن تخذف ، وقد يحذف حرف الجر من أن ، فيقال : إياك أن تخذف ، أي : من أن تخذف ، ولا يحذف من الاسم ، فلا يقال : إياك الأسد ، أي : من الأسد ، وإنما حذف حرف الجر من أن ولم يجز حذفه من الاسم لأنّ أن مستطال بصلة فناسب تخفيفه فحذف حرف الجر منه بخلاف الاسم المفرد ؛ فإنّه لا طول فيه ( شرح اللباب ) .