علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي

57

شرح جمل الزجاجي

تقديره : وإذا ما مثلهم في الوجود . وهذا باطل لأنّ معاني الحروف لا تعمل مضمرة . ومنهم من جعله ظرفا بمنزلة بدل ، وهم أهل الكوفة ، واستدلّوا على صحة مذهبهم بقول المهلّب بن أبي صفرة : ما يسرني أن يكون لي ألف فارس مثل بيهس لأنّي لو رأيتهم يتسامون لقلت لعلّهم يتسامون لواذا . فقالوا : محال أنّه لا يسرّه أن يكون له ألف فارس كلّ واحد منهم مثل بيهس وإنّما المعنى أنّه لا يسرّه أن يكون له ألف فارس بدل بيهس لشجاعته وإقدامه في الحروب . وهذا الذي قاله أهل الكوفة لا حجّة فيه ، لأنّ العرب إذا قالت : " مررت برجال مثلك " ، كان لهم في ذلك وجهان : أحدهما أن يكون : مررت برجال كلّهم كلّ واحد منهم مثلك . والآخر : أن يكون المعنى : مررت برجال كلّهم إذا اجتمعوا مثلك ، فعلى هذا يكون " ما يسّرني أن يكون لي ألف فارس مثل بيهس " ، يعني أنّه لا يسرّه أن يكون له ألف فارس كلّهم إذا اجتمعوا مثل بيهس وحده ، لأنّ شجاعة ألف فارس إذا كانت مجتمعة في فارس واحد كان أولى من افتراقها في أشخاص كثيرة ، لأنّه متى حضر كان بمنزلة ألف فارس ، وألف فارس إذا تفرقوا فقد يكون ذلك سببا لضعفهم . ومنهم من قال : " مثل " منصوب على الظرف وكأنّه في الأصل صفة لظرف تقديره قبل الحذف : إذ ما مكانا مثل مكانهم بشر ، ثمّ حذف الموصوف وقامت الصفة مقامه ، فأعربت بإعرابه فصار : إذ ما مثل مكانهم بشر . وهذا باطل لأنّه تقدّم أنه لا يحذف الموصوف إلّا إذا كانت الصفة خاصة ، و " مثل " ليس من الصفات الخاصة ، أو يتقدّم ما يدلّ على المحذوف . ومنهم من قال : إنّ " ما " هنا لم تعمل شيئا ، ولا شذوذ في البيت . وذلك أنّها أضيفت إلى مبنيّ ، فبنيت على الفتح بمنزلة قوله : " يومئذ " و " حينئذ " ، وهو الصحيح . فأما إن كان خبر " ما " ظرفا أو جارّا ومجرورا ففيه خلاف ، فمنهم من أجاز تقديمه على الاسم ، ومنهم من منع من ذلك . والذين أجازوا هم البصريون قياسا على " إنّ " التي يتقدّم خبرها على اسمها إذا كان ظرفا أو مجرورا ، والذي منع هو أبو الحسن الأخفش ، ومنع أن يقاس هذا على " إنّ " لأنّها أقوى