علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي
169
شرح جمل الزجاجي
بالعلمية ، و " غيرك " وأخواته استعملت في أول أحوالها مضافات ، وكانت لذلك نكرات ، والدليل على أنّها استعملت في أول أحوالها مضافات أنّه لا يجوز " مثل لك " ، ولا " غير لك " ، ولا " شبه " ، وكذلك سائرها . فأمّا " شبيهك " فمعرفة وحده لأنّه لم يستعمل في أول أحواله مضافا . والدليل على ذلك أنّهم يقولون : " شبيه بك " ، وهذا حسن جدا . وزعم المبرّد أنّ الذي منع من تعريفها بالإضافة إلى المعرفة أنّها بمعنى اسم الفاعل بمعنى الحال والاستقبال ، ألا ترى أنّ " غيرك " بمعنى : " مغايرك " و " مثلك " بمعنى : " مماثلك " ، و " شبهك " بمعنى : " مشابهك " ، فكما أنّ اسم الفاعل بمعنى الحال والاستقبال لا يتعرّف بالإضافة ، فكذلك ما في معناه . وأما " شبيهك " فيتعرّف عنده بالإضافة ، لأنّ " فعيلك " للمبالغة فدخله لذلك معنى الذي عرف ب " شبيهك " ، لأنّه إذا كثر شبه شخص بآخر صار معروفا بذلك ، فلما دخله معنى المضيّ تعرّف بالإضافة ، لأنّ اسم الفاعل إذا كان بمعنى المضيّ يتعرّف بالإضافة . وهذا التعليل حسن جدا . وزعم أبو بكر بن السراج أنّ هذه الأسماء لا تكون نكرة أبدا ، بل تكون حسب المعنى ، فإن كان المغاير أو المماثل أكثر من شخص واحد ، كانت نكرة ، نحو : " مررت برجل مثلك وغيرك وشبهك " . ألا ترى أنّ " غيرك " و " شبهك " و " مثلك " لا ينحصر كثيره . وإن كان المغاير أو المماثل أو المشابه واحدا ، كانت معرفة ، نحو : " الساكن غير المتحرّك " ، ألا ترى أنّ " غير المتحرك " شيء واحد ، وهو الساكن . ومن ذلك قوله تبارك وتعالى : صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ " 1 " . ف " غير المغضوب " عنده معرفة ، لأنّه نعت للذين ، وهو معرفة ، وصار معرفة عنده لأنّ " غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ " صنف واحد وهم الذين أنعم اللّه عليهم . وهذا الذي استدلّ به لا حجة فيه ، لأنّه يحتمل أن يكون " غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ " نكرة بدلا من " الذين " . وهذا أيضا فاسد من طريق القياس ، لأنّه لا يلزم من كون المماثل والمغاير أكثر من واحد أن يكون " غيرك " ، و " مثلك " نكرة ، بل كان ينبغي أن لا يقع إلا مغايرا أو مماثلا لواحد معهود من بينهم ، فإن أردت مماثلا أو مغايرا أو مشابها غير معهود قلت : " غير لك " ، أو " مثل لك ، أو " شبه لك " ، ألا ترى أنّك إذا قلت :
--> ( 1 ) سورة الفاتحة : 7 .