علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي

156

شرح جمل الزجاجي

رأيته في أوله ، ثم انقطعت الرؤية فيما بعد ، وقولك : " يوم الجمعة " يقتضي أنّك رأيته في أوله ، وذلك تناقض . فإن قيل : هل يجوز النصب على إضمار فعل ؟ فالجواب أن تقول : إنّك إن بدأت بالمتأخر جاز ، فقلت : " ما رأيته مذ يوم الخميس ويوم الأربعاء " ، لأنّ الرؤية انقطعت عن ما بعد يوم الخميس ، ثم أخبرت أنّك لم تره يوم الأربعاء ، ولو عكست فبدأت بالمتقدّم لم يجز ، وكان عيّا . لأنّك إذا قلت : " ما رأيته مذ يوم الخميس ويوم الجمعة " ، اقتضى " يوم الخميس " أنّك لم ترد " يوم الجمعة " ، فلا فائدة في قولك بعد " يوم الجمعة " . وإن عطفت ماضيا على حال لم يجز ، فلا تقول : " ما رأيته مذ يومنا ويوم الجمعة " ولا عكسه ، لأنّ " مذ " إذا دخلت على الحال كانت بمعنى " في " ، وإذا دخلت على الماضي كانت بمعنى " من " لابتداء الغاية ، فلما اختلفا لم يجز عطف ما بعدهما على ما قبلهما ، لأنّ الواحد مجرور على أنّ العمل في جميعه أو منفيّ عن جميعه ، والآخر يكون نفي العمل عن بعضه ، فلما اختلفا لم يسغ عطفهما . فإن قيل : فهل يجوز النصب على إضمار فعل ؟ فالجواب أن تقول : إن تقدّم الحال جاز وإن تقدّم الماضي لم يجز ، ألا ترى أنّه سائغ أن تقول : " ما رأيته مذ يومنا ويوم الجمعة " ، على تقدير : وما رأيته يوم الجمعة ، ولا يسوغ أن تقول : " ما رأيته مذ يوم الجمعة ويومنا " ، لأنّ قولك : " مذ يوم الجمعة " ، يقتضي أنّك رأيته في أوله وانقطعت الرؤية إلى زمن الإخبار ، فلا فائدة في قولك : ويومنا ، إلّا أن يكون من قوله تعالى : فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ " 1 " . * * * ف " مذ " و " منذ " لا تدخلان إلّا على الزمان ، فإن دخلا على غيره فمؤوّل . ولا تدخلان منه إلّا على المعدود أو معرفة ، فلا يجوز : " ما رأيته مذ حين " ولا " مذ زمان " ، ولا " مذ وقت " . وتقول : " ما رأيته مذ الليلة ومذ اليوم " ، ولا يجوز " مذ الليل ولا مذ النهار " ، لأنّ " النهار " عبارة عن الضياء و " الليل " عبارة عن الظلام ، وذلك لا يحصل شيئا شيئا ، فلذلك لم ندخل عليهما " مذ " . نقل الأخفش أنّ النهار عندهم الضياء والليل الظلام . فإن

--> ( 1 ) سورة الرحمن : 68 .