علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي

386

شرح جمل الزجاجي

قال : فذمّه وهو يرى أنّه مدحه ، ألا ترى أنّه قد أثبت الصون ونفى عنه الهبات ، كأنّه قال : الذي يقوم لها مقام الهبات أن تصان ، ولو قال : " كان الهبات صوانها " ، فكان يهب ولا يصون ، كأنّه قال : كان الذي يقوم لها مقام الصوان أن توهب . وهذا الذي قاله لا يتصور إلا حيث يكون الخبر عين المبتدأ ، بل منزّل منزلته وقائم مقامه ، وذلك نحو : " كان زيد زهيرا " ، إذا أردت تشبيه زيد بزهير فيما مضى ، فإن أردت عكس هذا قلت : " كان زهير زيدا " . فأما إذا كان الثاني هو الأول ، فإنّ المعنى على كل حال واحد ، نحو : " كان أخو عمرو زيدا " ، فأما قوله : فكان مضلّي من هديت برشده * . . . . . . . . . . البيت ( 1 ) فإنّ المعنى واحد جعلت الخبر " مضلّي " أو " من هديت " إذا أردت أنّ الهداية والإضلال وقعا فيما مضى . ألا ترى أنّك إذا قلت : كان مضلّي فيما مضى من وقعت الهداية منه إليّ ، وكان من وقعت الهداية منه إليّ مضلّي فيما مضى ، كان المعنى واحدا . وإنّما كان يختلف المعنى لو كان زمن الخبر في الحال وزمن المخبر عنه فيما مضى ، ألا ترى أنّك إذا قلت : كان مضلّي فيما مضى من هديت به الآن ، كان عكس قولك : كان من هديت به فيما مضى مضلّي الآن . وأما قوله : ثياب كريم لا يصون حسانها * إذا نشرت كان الهبات صوانها ( 2 ) فإنّك إذا جعلت " الهبات " خلاف " الصوان " ، فإنّه يبطل المعنى المراد من المدح بجعل الصوان خبرا ، ولو جعلت " الهبات " هي نفس " الصوان " لكان المعنى واحدا ، نصبت " الصوان " أو رفعته ، فكأنّك قلت : " كان الهبات صوانا لها " ، و " كان الصوان هبة لها " . هذا إن قدّرنا أنّ المخاطب يعلم إحدى المعرفتين ويجهل الأخرى ، فإن قدّرنا أنّ المخاطب يعلم المعرفتين إلّا أنّه يجهل نسبة إحداهما إلى الأخرى ، وذلك نحو : " كان زيد أخا عمرو " ، إذا قدّرنا أنّ المخاطب يعلم زيدا بقلبه كعلمنا الآن مالكا والشافعيّ وأمثالهما

--> ( 1 ) تقدم بالرقم 255 . ( 2 ) تقدم بالرقم 256 .