علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي

368

شرح جمل الزجاجي

ذات التنانير " ( 1 ) ، يعني ناقته ، فجعل " نظرت " خبر " أصبحت " ، وقال تعالى : إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ . وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ ( 2 ) . فجعل " قدّ " في الموضعين خبر " كان " . ومن اعتذر عن هذا بأن قال : إنّ الذي سوّغ ذلك دخول أداة الشرط على " كان " لأنّها تخلّصه للاستقبال ، فكأنّه قال : إن يكن قميصه قدّ من قبل ، فاعتذاره باطل ، لأنّ " كان " هنا ماضية لفظا ومعنى ، ألا ترى أنّ ما كان من ذلك قد ثبت واستقرّ . وسنبيّن كيف دخلت أداة الشرط على " كان " ولم تنقل معناها للاستقبال ، والخلاف الذي في ذلك في بابه إن شاء اللّه تعالى . * * * [ 3 - تصرّفها ] : وأفعال هذا الباب كلّها تتصرف فيستعمل منها الماضي ، والمستقبل ، والأمر ، واسم الفاعل إلّا " ليس " ، و " ما دام " ، و " قعد " ، و " جاء " . أما " قعد " و " جاء " فإنّهما لا يستعملان من هذا الباب إلّا في الموضعين المذكورين وهما : " ما جاءت حاجتك " ، و " شحذ شفرته حتى قعدت كأنّها حربة " . فجريا لذلك مجرى المثل ، والأمثال لا تغيّر عما وضعت له . وأما قولهم : " قعد زيد يتهكّم بعرض فلان " ، فإن أبا الفتح جعل " قعد " فيه زائدة ، وكأنّه قال : " زيد يتهكّم بعرض فلان " ، إذ لا يراد هنا القعود الذي هو ضدّ القيام ، ولا يتصوّر أن يكون " قعد " هنا بمعنى " صار " لأنّها لا تستعمل كذلك إلا في " قعدت كأنّها حربة " ، وهو كالمثل فلا ينبغي أن يستعمل بذلك المعنى في غيره . وزعم ابن ملكون أنّها بمعنى " صار " ، وذلك باطل لما ذكرناه من أنّ ما ثبت في المثل خاصة لا ينبغي أن يستعمل في غيره . وأما " ليس " فإنّها لم تتصرّف لتمكّن شبه الحرف فيها حتى قال بعض النحويين إنّها حرف . ألا ترى أنّها لا مصدر لها في موضع من المواضع وأنّها مثل " ما " في النفي ، وفي

--> ( 1 ) ذات التنانير : اسم موضع . ( 2 ) يوسف : 26 - 27 .