علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي
361
شرح جمل الزجاجي
صحيحا " ، ويكون انتصاب " صحيحا " على أنّه حال ، وكذلك لا يجوز تعريف المنصوب بعدها إلّا أن يكون من الصفات التي يجوز فيها القطع ، فتنصب إذ ذاك بفعل مضمر ، نحو : " مررت بزيد المسكين " ، و " مررت به الشجاع " . وكذلك ألحقوا بأفعال هذا الباب الفعل المكرر ، نحو : " لئن ضربته لتضربنّه الكريم " ، و " لئن أكرمته لتكرمنّه العاقل " ، فجعلوا " الكريم " و " العاقل " وأمثالهما منتصبة على أنّها أخبار للفعل المكرر ، وذلك لا حجة فيه ، لاحتمال أن يكون الاسم المنصوب بدلا من مفعول الفعل ، فإن استدلّوا بأنّه لو كان بدلا لم يلزم الإتيان به قيل لهم : ربّ تابع لازم ، نحو : " الجمّاء الغفير " ، ألا ترى أنّ " الغفير " تابع الجمّاء أبدا ولا تجيء إلا كذلك . وكذلك ألحقوا بأفعال هذا الباب اسم الإشارة في نحو : " هذا زيد قائما " ، وجعلوا " هذا " تقريبا و " زيدا " اسم التقريب ، و " قائما " خبر التقريب ، واستدلّوا على ذلك بأنك قد تقول : " هذا زيد قائما " ، لمن يقطع بأنه قد علم أنّ المشار إليه زيد ، لأنّ الخبر إنّما يكون مجهولا عند المخاطب ، وحينئذ يكون مفيدا . ومما يبيّن ذلك قوله تعالى : هذا بَعْلِي شَيْخاً ( 1 ) . ألا ترى أنها لم ترد أن تعلم المخاطبين أنّ المشار إليه بعلها ، وإنّما أرادت أن تنبههم على شيخوخته . قالوا : فدلّ ذلك على صحة ما قلناه . وهذا الذي ذهبوا إليه فاسد ، لأنّ " هذا " اسم فلا بد أن يكون له موضع من الإعراب ، وعلى مذهبهم لا موضع له من الإعراب . فإن قيل : فكيف جعلتم اسم الإشارة مبتدأ وما بعده خبرا ، وليس المعنى على ذلك ؟ فالجواب : إنّ الكلام إذا ذاك محمول على معناه ، فإنّك إذا قلت : " هذا زيد قائما " ، فاللفظ على الإخبار عن المشار إليه بزيد ، والكلام محمول على معنى : تنبّه لزيد وربّ كلام صورته لفظ على خلاف معناه ، نحو : " غفر اللّه لزيد " ، فإنّ لفظه لفظ الخبر والمعنى على الدعاء . وكذلك " اتقى اللّه امرؤ فعل خيرا يثب عليه " لفظه لفظ الخبر ومعناه معنى الأمر ، وكذلك قوله تعالى : فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا ( 2 ) ، اللفظ لفظ الأمر ومعناه الخبر ، فكذلك : " هذا زيد " ، لفظه لفظ الإخبار عن " هذا " ب " زيد " ومعناه معنى الأمر بالتنبيه إلى زيد في حال ما . ومما يدلّ أيضا على أنّ المنصوب حال التزام التنكير فيه ، ولو كان خبرا لسمع من
--> ( 1 ) هود : 72 . ( 2 ) مريم : 75 .