علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي
296
شرح جمل الزجاجي
وسط كلام لا صدره ، وإن كان توسّطها بين مفعولين أقوى من إلغائها . وقد أجاز البصريون : متى تظنّ زيد منطلق ؟ برفع المفعولين لكون تظنّ لم تجيء صدر الكلام ، وأيضا فإنّه يمكن أن تكون هذه الجملة التي هي : ملاك الشيمة الأدب ، في موضع المفعول الثاني لوجدت ، ويكون مفعول وجدت الأول ضمير الأمر والشأن محذوفا تقديره : وجدته ملاك الشيمة الأدب ، أي : وجدت الأمر هكذا . وإنما ألغيت هذه الأفعال ولم تلغ " أعطيت " و " كسوت " ، وما كان نحوهما ، لأنّ بابها أن لا تعمل لكونها في الأصل داخلة على المبتدأ والخبر ، وكلّ عامل داخل في الجملة ينبغي أن لا يعمل فيها نحو قولك : " قال زيد عمرو منطلق " ، و " قرأت الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ " ، لكنّها شبّهت ب " أعطيت " وبابها في أنّها أفعال كما أنّها أفعال ، وتطلب اسمين كطلبها فتنصبهما كذلك . فإن قيل : فهلّا نصبت " قرأت وقال " المبتدأ والخبر تشبيها ب " أعطيت " كما فعلت ذلك ب " ظننت " وأخواتها ؟ فالجواب : إنّ " ظننت " وأخواتها لا يليها إلّا اسمان أو ما هو بمنزلتهما ، كما أن " أعطيت " وبابه لا يطلب إلّا اسمين ، و " قرأت " و " قال " قد يقع بعدهما الجمل الفعلية ، نحو : " قال زيد : قام عمرو " ، و " قرأت : اقتربت الساعة " . فلما كانت ظننت وأخواتها أشبه ب " أعطيت " من " قلت " و " قرأت " وأمثالهما لذلك نصبت المبتدأ والخبر حملا عليها ، فإذا ثبت أنّ الأصل فيها أن لا تعمل تبيّن لم انفردت بالألغاء ، لأنّ في ذلك رجوعا إلى الأصل . فإن قيل : فلأيّ شيء لم تلغ إلّا متوسّطة أو متأخرة ؟ فالجواب : إنّها إذا كانت في أول الكلام كان ما بعدها مبنيا عليها ، وإن لم تكن أول الكلام فإنك إن أعلمتها قدّرت أيضا أنّ الكلام مبنيّ عليها ، وإذا ألغيتها قدّرت أنّ الكلام مبنيّ على أن لا يكون فيه فعل من هذه الأفعال ، ثم عرض لك بعد ذلك أن أردت أن تذكر هذه الأفعال لتجعل ذاك الكلام فيما تعلم أو فيما تظنّ أو فيما تزعم ، فكأنك إذا قلت : " زيد منطلق ظننت أو علمت أو زعمت " ، أردت أن تقول أوّلا " زيد منطلق " ، ثم أردت بعد ذلك أن تبيّن أنّ ما ذكرته من قولك : " زيد منطلق " معلوم عندك أو مظنون أو مزعوم ، فكأنّك قلت عقيب قولك : " زيد منطلق " ، فيما أظن ، أو فيما أزعم ، أو فيما أعلم .