علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي
274
شرح جمل الزجاجي
الجرّ ، وقسم يتعدى إلى واحد تارة بنفسه وتارة بحرف جر . فالذي يتعدّى إلى واحد بنفسه هو الذي يطلب مفعولا به واحدا ، ويكون ذلك المفعول يحلّ به الفعل ، نحو : " ضربت زيدا " ألا ترى أنّ " ضربت " تطلب مضروبا : زيدا أو غيره ، ويكون ذلك المضروب قد حلّ به الضرب . فإن قيل : فإنك تقول : " ذكرت زيدا " ، وتوصل " ذكرت " إلى " زيد " بنفسه ، والذكر لا يحلّ بزيد . فالجواب : إنّ الأشخاص لا تذكر فإذا قلت : " ذكرت زيدا " ، فإنما هو على حذف مضاف تقديره : ذكرت أمر زيد أو شأنه أو قصته ، والذكر يحل بشأن زيد وقصته أي يتسلّط عليهما . والذي يتعدّي إلى واحد بحرف جر هو كل فعل يطلب مفعولا به واحدا إلا أنه لا يكون محلّا للفعل ، نحو : " مررت بزيد " ، و " جئت إلى عمرو " ، و " عجبت من بكر " . ألا ترى أنّ المرور لا يحلّ بزيد ، والمجيء لا يحل بعمرو ، والتعجب لا يحلّ ببكر . والقسم الذي يتعدّي إلى واحد تارة بنفسه وتارة بحرف جر لا سبيل إلى معرفته إلا بالسماع ، نحو : " نصحت زيدا ونصحت له " ، وأمثاله . وإنّما جعل هذا قسما برأسه ولم يجعل من القسمين ، لأنه قد وجد الفعل يصل تارة بنفسه وتارة بحرف جرّ ، ولم يستعمل أحدهما أكثر من الآخر ، أعني أنه لم يقل : " نصحت زيدا " أكثر من : " نصحت لزيد " ، فتجعل وصوله بنفسه أصلا وحرف الجر زائدا ، ولا " نصحت لزيد " أكثر من : " نصحت زيدا " ، فيجعل الأصل ، ثم حذف حرف الجر . فلما تساويا في الاستعمال كان كل واحد منهما أصلا بنفسه . وزعم بعض النحويين أنه لا يتصور أن يوجد فعل تارة يتعدّى بنفسه وتارة بحرف الجر ، لأنّه محال أن يكون الفعل قويا ضعيفا في حال واحدة ، ولا المفعول محلّا للفعل وغير محل للفعل في حين واحد ، وهو الصحيح . فينبغي على هذا أن يجعل : " نصحت زيدا " ، وأمثاله الأصل فيه : " نصحت لزيد " ، ثم حذف حرف الجر منه في الاستعمال ، وكثر فيه الأصل والفرع ، لأنّ النصح لا يحلّ بزيد . فإن كان الفعل يحلّ بنفي المفعول ، ويوجد تارة متعدّ بنفسه وتارة بحرف جر ، جعلنا الأصل وصوله بنفسه وحرف الجر زائدا ، نحو : " مسحت رأسي ومسحت برأسي " ، و " خشّنت بصدره وصدره " ، لأنّ التخشين يحلّ بالصدر والمسح يحل بالرأس .