محمد بن محمد حسن شراب
61
شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية لأربعة آلاف شاهد شعري
ه - وأخيرا ، فإنّ الحكمة ليست من عمود القصيدة العربية ، فهناك مئات القصائد لم تتضمن الحكمة ، وعلى فرض أن أبيات الحكمة يبدو عليها التشرذم والانفصال ، كما يزعمون ، فكيف يعممون الحكم على قصائد الشعر كلها سواء أكانت متضمنة الحكمة أم خلت منها ؟ ! . * الجهة الخامسة التي جاء منها الوهم : تعدّد الألوان والمشاهد في القصيدة . فقد قال بعضهم : إنّ الروابط قائمة بين أبيات تصف مشهدا من مشاهد القصيدة . فالغزل أبياته متسلسلة ومترابطة ، ووصف الناقة تترابط وتتعانق أبياته . ويزعمون أنّ الوحدة معدومة بين ألوان القصيدة ومشاهدها . وهذا - في رأيي - زعم باطل ، وحكم قاصر ، لأنه لم يبن على استقراء واستقصاء . وإليك تفصيل ما أجملت : 1 - ربما كان النموذج الذي اعتمدوا عليه في الحكم ، هو قصيدة المدح ، وجزء الحكمة من القصيدة ، أما أبيات الحكمة : فقد بينا فيما سبق قربها ولصوقها بموضوع القصيدة ، وانظر مثالها ما قلناه حول أبيات الحكمة في قصيدة زهير . وأما قصيدة المدح : فقد قدمنا فيما سبق رؤيتنا في ترابط أجزاء القصيدة المدحية وأن الوقوف على الأطلال ، والغزل ، ووصف الراحلة والطريق تبدو أنها ألوان متناسقة مع موضوع المدح ، وأنها مجموعة من الألوان في لوحة فنيّة لا ترى فيها تنافرا . وأزيد هنا على ما سبق : أن قصائد المديح - في الشعر الجاهلي ، والمخضرم - لا تمثل إلا نسبة ضئيلة جدا ، فهذه مجموعة « المفضليات » تضمّ ثلاثين ومئة قصيدة ومقطوعة ، أحصيت قصائد المديح فيها ، فلم تبلغ عشر قصائد . وفي مجموعة « الأصمعيات » واحدة وسبعون قصيدة ومقطوعة ، لم أجد فيها إلا قصيدتين للمدح . وفي ديوان حماسة أبي تمام « 882 » حماسيّة ، في باب المديح نحو ثلاثين مقطوعة ، فيها خليط من مدح الذات وهو فخر ، ومدح الكرم ، ومدح الأصدقاء ، وقلة قليلة في مدح العظماء والقواد والأمراء ، وجلها منسوبة لشعراء من العصر الأموي ، وأظنّ أن كمية الاختيار تتناسب مع كمية ما يوجد من كل نوع في الدواوين . ثم إن هذا المزيج من الألوان في قصيدة المديح ، يمكن أن يقال إنه يمثل ذوق العصر ، وهم يرون في هذا