محمد بن محمد حسن شراب

47

شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية لأربعة آلاف شاهد شعري

وقد ردّ ابن قتيبة رواية سيبويه وقال : وقد غلط على الشاعر ؛ لأنّ هذا الشعر كلّه مخفوض . [ الشعر والشعراء / 43 ] . وقال الحسن العسكري في كتاب « التصحيف / 207 » : ومما غلط فيه النحويون من الشعر ، ورووه موافقا لما أرادوه ، ما روي عن سيبويه ( وذكر البيت ) . قلت : ولكن النحويين فيهم عصبية وعناد ، وما رأيت فئة تتعصب لرئيسها تعصّب البصريين لسيبويه ، فإنّهم نزّهوا سيبويه وكتابه عن كل نقيصة أو عيب أو سهو ، ولم يعترفوا بقول القائل : « كفى المرء نبلا أن تعدّ معايبه » ولذلك فإنهم قد التمسوا له الأعذار لتكون روايته حجة : فقالوا : إنه سمع من العرب الذين يستشهد بقولهم من ينشد هذين البيتين بالنصب ، فكان إنشاده حجة . وهذا الاعتذار ليس مقبولا ، وبخاصة في هذين البيتين ؛ لأنّ الشاهد يكمن في القافية ، وكان الواجب أن يسأل الراوي عن أخ للبيت على الأقل ليعرف حركة القوافي . واعتذروا عن البيت الثاني - بيت عقيبة بن هبيرة - بأن للبيت أخا منصوب القافية ، وأن البيتين للشاعر عبد اللّه بن الزّبير - بفتح الزاي - الأسدي . وقالوا : وليس ينكر أن يكون بيت من قصيدتين معا ؛ لأن الشعراء قد يستعير بعضهم من كلام بعض . وهذا الاعتذار غير مقبول أيضا . لأن وجود بيت واحد برمّته في قصيدتين يغلب أن يكون من خلط الرواة ، ثم إنّ عدم اطّلاع النحويّ على القافية الأخرى المجرورة عند الشاعر الآخر ، يجعل القاعدة النحوية المستنبطة غير مطردة ، فالقواعد المطردة القياسيّة يجب أن تبنى على الاستقراء . * أما الجهة الرابعة التي جاء منها التوهم بأن القصيدة العربية القديمة غير مترابطة فهي الرواية . فالشعر العربيّ الجاهليّ ، والمخضرم ، بقي زمنا - اللّه أعلم به - تتداوله الألسنة ، وتتناشده العرب ، وينتقل من قاصّ إلى آخر ، إلى أن جاء زمن الرواية والتدوين في القرن الثاني الهجري ، فرأينا الرواة يختلفون في رواية البيت على وجوه مختلفة ، ورأينا القصيدة تطول عند بعضهم ، وتقصر عند آخر ، ويختلف ترتيب الأبيات في القصيدة باختلاف الراوي . ومع هذه الحال ، فإننا لسنا على يقين أنّ كل قصيدة منسوبة إلى شاعر ، هي كلّ ما قاله منها فلعلّ أبياتا قد فقدت منها ،