عثمان بن جني ( ابن جني )

65

الخصائص

فإن قلت : فقد قالوا : يا عبد اللّه ويا خيرا من زيد ، فأعملوا ( يا ) في الاسم الصريح وهي حرف ، فكيف القول في ذلك ؟ قيل : ل ( يا ) في هذه خاصة في قيامها مقام الفعل ليست لسائر الحروف وذلك أن ( هل ) تنوب عن ( أستفهم ) ، و ( ما ) تنوب عن ( أنفى ) ، و ( إلا ) تنوب عن ( أستثنى ) وتلك الأفعال النائبة عنها هذه الحروف هي الناصبة في الأصل . فلما انصرفت عنها إلى الحروف طلبا للإيجاز ، ورغبة عن الإكثار ، أسقطت عمل تلك الأفعال ، ليتمّ لك ما انتحيته من الاختصار . وليس كذلك يا . وذلك ( أن يا ) نفسها هي العامل الواقع على زيد ، وحالها في ذلك حال ( أدعو ) و ( أنادى ) في كون كل واحد منهما هو العامل في المفعول ، وليس كذلك ضربت وقتلت ونحوه . وذلك أن قولك : ضربت زيدا وقتلت عمرا الفعل الواصل إليهما المعبّر بقولك : ضربت عنه ليس هو نفس ( ض ر ب ) إنما ثمّ أحداث هذه الحروف دلالة عليها ؛ وكذلك القتل والشتم والإكرام ونحو ذلك . وقولك : أنادى عبد اللّه ، وأدعو عبد اللّه ؛ ليس هنا فعل واقع على ( عبد اللّه ) غير هذا اللفظ ، و ( يا ) نفسها في المعنى ك ( أدعو ) ؛ ألا ترى أنك إنما تذكر بعد ( يا ) اسما واحدا ، كما تذكره بعد الفعل المستقلّ بفاعله إذا كان متعدّيا إلى مفعول واحد ؛ كضربت زيدا ، ولقيت قاسما ، وليس كذلك حرف الاستفهام وحرف النفي ، إنما تدخلهما على الجمل المستقلّة فتقول : ما قام زيد وهل قام أخوك . فلمّا قويت ( يا ) في نفسها وأوغلت في شبه الفعل تولّت بنفسها العمل . فإن قلت : فإنما تذكر بعد ( إلا ) اسما واحدا أيضا ، قيل : الجملة قبل ( إلا ) منعقدة بنفسها ، وإلا فضلة فيها . وليس كذلك يا ؛ لأنك إذا قلت : يا عبد اللّه تمّ الكلام بها وبمنصوب بعدها ، فوجب أن تكون هي كأنها الفعل المستقل بفاعله ، والمنصوب هو المفعول بعدها ، فهي في هذا الوجه كرويد زيدا . ومن وجه آخر أن قولك : يا زيد لمّا اطّرد فيه الضمّ وتمّ به القول جرى مجرى ما ارتفع بفعله أو بالابتداء ؛ فهذا أدون حالي يا أعنى أن ( يكون ) كأحد جزأى الجملة . وفي القول الأوّل هي جارية مجرى الفعل مع فاعله . فلهذا قوى حكمها وتجاوزت رتبة الحروف التي إنما هي إلحاق وزوائد على الجمل .